شهدت العلاقات بين إسرائيل وتركيا، التي بدأت عام 1949 كتحالف إقليمي غير معلن بين قوتين غير عربيتين في الشرق الأوسط، تدهورًا غير مسبوق خلال العام الأخير. فقد شكّل الاعتراف الإسرائيلي بالإبادة الجماعية للأرمن في نهاية حزيران (يونيو)، بعد عقود من الامتناع المتعمد، تحولًا سياسيًا لافتًا، وليس مجرد خطوة رمزية. وفي المقابل، أثارت تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، التي قال فيها إن "إسرائيل أصبحت كيانًا لم يعد بالإمكان تحمله في المنطقة"، موجة غضب واسعة في إسرائيل. كما كشف قرار الادعاء العام في إسطنبول بتوجيه لائحة اتهام ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وعشرات المسؤولين الإسرائيليين، على خلفية اعتراض سفينة صمود، عن تحول الساحة القضائية إلى جبهة جديدة في الصراع.
وتتركز المصالح المتضاربة بين الجانبين في ثلاث ساحات رئيسية. ففي سوريا ما بعد الأسد، تعمل تركيا على ترسيخ نفوذها عبر علاقتها بالسلطات الجديدة، بينما تنظر إسرائيل بقلق إلى هذا التوجه، خاصة بعد الدعم الأميركي لدمج القوات الكردية في الجيش السوري، وخشية فقدان قدرة سلاح الجو على التحليق بحرية تامة في أجواء سوريا التي لا تملك حاليًا دفاعات جوية فعالة.
أما في شرق البحر المتوسط، فتعتبر أنقرة أن التحالفات التي عززتها إسرائيل مع اليونان وقبرص والهند، إلى جانب مشروع الممر الاقتصادي (IMEC) الهادف إلى ربط آسيا بأوروبا، تمثل محاولة لتطويقها وتجاوز دورها الإقليمي، ما يدفعها إلى تعزيز حضورها البحري ضمن عقيدة "الوطن الأزرق".
وفي قطاع غزة، تواصل تركيا دعمها لحركة حماس، وتؤدي دورًا بارزًا في الجهود المتعلقة بإدارة القطاع في مرحلة ما بعد الحرب، وهو ما يزيد من حدة التوتر مع إسرائيل.
وبالرغم من ذلك، لا تزال هناك مصالح مشتركة بين الطرفين. فقد ألمح وزير الخارجية التركي فيدان إلى أن استئناف العلاقات مرهون بوقف الحرب واستعداد إسرائيل للاعتراف بدولة فلسطينية على حدود عام 1967، كما أشار إلى إمكانية إقامة إطار أمني إقليمي أوسع يضم البلدين. ويشكل حجم التبادل التجاري، الذي بلغ نحو عشرة مليارات دولار قبل الحرب، إلى جانب التحالف التاريخي بينهما مع الولايات المتحدة وعضويتهما في المنظومة الغربية، عاملًا يدفع نحو ضبط التوتر، وإن كان لا يعني تحقيق مصالحة قريبة.
وعلى المستوى الدولي، يعكس هذا التوتر تنافسًا أوسع على رسم ملامح النظام الإقليمي الجديد. فالولايات المتحدة تحاول الموازنة بين دعمها لإسرائيل وحفاظها على تركيا باعتبارها عضوًا محوريًا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فيما تتابع كلٌّ من روسيا والصين باهتمام أي تصدع داخل المعسكر الغربي.
ويبقى الخطر الأكبر ليس في اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة، وهي تبدو مستبعدة، بل في استمرار عملية متبادلة من تصعيد الخطاب وبناء صورة العدو، بما قد يقلص هامش المناورة الدبلوماسية لدى الجانبين، بالرغم من استمرار المصالح الاقتصادية والأمنية في دفعهما نحو التعاون عند الضرورة.


