منذ أن انهارت الهدنة الهشّة، وعادت الضربات الأمريكية على إيران مطلع يوليو، تبدّلت طبيعة المواجهة. لم تعد حربًا على وجود النظام الإيراني، بل حربًا على من يمسك بمضيق هرمز. وحين أغلقت طهران المضيق في منتصف الشهر، أعلن ترامب أن واشنطن ستتولّى تأمين الملاحة عبره تحت مسمّى «حارس مضيق هرمز»، مؤكدًا أنه سيبقى مفتوحًا، بوجود إيران أو من دونها.
جوهر المعادلة أن لكل طرف هدفًا مختلفًا في طبيعته. هدف واشنطن وظيفي ومحدّد: إبقاء المضيق مفتوحًا، وتأمين تدفّق الطاقة، بصرف النظر عن شكل النظام في طهران. أما هدف إيران فوجودي، لكنه دفاعي: الحفاظ على نفسها دولةً متماسكةً قدر الإمكان، بعد فقدان مرشدها المؤسّس.
المضيق هنا ليس غنيمةً تريد أخذها، بل ورقة الضغط الأخيرة التي تُبقيها في موقع المفاوِض، لا موقع المهزوم. ومن هذا التباين ينشأ خطرها الأكبر على المنطقة. فإيران، وهي الأضعف عسكريًا، تجد مصلحتها في توسيع رقعة النار، وتحويلها إلى أزمة طاقة عالمية تُجبر الجميع على كبح واشنطن. أي إنها تسعى إلى جرّ المنطقة إلى حرب إقليمية، بوصفها ملاذًا، لا استراتيجية هجوم.
ولا يُفهم تذبذب طهران بين التصعيد والتفاوض من دون النظر إلى انقسامها الداخلي. فمنذ اغتيال علي خامنئي وتنصيب نجله مجتبى مرشدًا، انتقلت إيران من مرشد يسيطر على الحرس إلى مرشد يعتمد عليه، ويخضع لتأثيره. تيار في الحرس يرى شرعيته في التصعيد والاستشهاد، وتيار سياسي يدير التفاهمات، ويخشى انهيار الاقتصاد.
ويزيد الغموضَ أن مجتبى غائب تمامًا. بياناته تُتلى عبر مذيعة في التلفزيون الرسمي، من دون أن يظهر علنًا منذ أشهر. والسؤال المشروع هنا: هل هو حي يمارس مهامه فعلًا، أم أن الحرس يحكم باسمه، ويستخدمه غطاءً لقراره؟ أيًّا كانت الحقيقة، فالنتيجة واحدة: قرار إيراني مشتّت.
في المقابل، تسير واشنطن على إيقاع ثابت: التهديد، ثم العملية المحدودة، لا الحرب الشاملة. فلا أحد يريد إشعال حرب طاقة كبرى ترتدّ على الاقتصاد الأمريكي نفسه. والقصف، في حقيقته، أقرب إلى إعادة تفاوض على مذكرة التفاهم «بالقنابل». وهنا تكمن المعضلة الأعمق. فالحرب على إيران يصعب أن تأتي بنتائج سياسية على قدر إنجازاتها العسكرية، إذ يمكن إغراق زوارق الحرس، من دون انتزاع توقيع مستقر من طرف لا أحد يضمن سيطرته على من يطلق النار في هرمز.
لهذا كله، تُبقي واشنطن إسرائيل على الحياد، وتتجنّب إيران استهدافها. فدخول إسرائيل يحوّل حرب المضيق المحدودة إلى حرب إقليمية شاملة، تمنح طهران ما تريد بالضبط. يكتفي نتنياهو بالردع اللفظي، لكنه يُبقي ملف «اليورانيوم المخصّب» مفتوحًا. فأي جولة جديدة تمنحه ورقةً في الداخل، وموقعًا في أي تسوية قادمة. حياده، إذن، مؤقت ومشروط.
وفي مقابل نار هرمز، تُدار الجبهة اللبنانية بمنطق التهدئة. فبعد الاتفاق الإطاري على نزع سلاح حزب الله، والانسحاب الإسرائيلي التدريجي، وجولة روما الأخيرة، يزور الرئيس عون واشنطن للقاء ترامب، في أول زيارة لرئيس لبناني منذ عام 2009. غير أن حزب الله يظل العقدة، رافضًا تسليم سلاحه، ومعوّلًا على سند طهران.
وهكذا يتقاطع المساران، رغم الفصل بينهما. فكلما اشتدّ الخناق على طهران في هرمز، ضعف سندها للحزب في لبنان. المعركة واحدة في العمق، وإن تعدّدت جبهاتها.

