لا تُبنى السفارة الأميركية الدائمة المزمع إقامتها في القدس في مدينةٍ متنازعٍ عليها فحسب، بل تُقام على أرضٍ يُعرف أصحابها الفلسطينيون، وتظلّ أسماؤهم مدوّنةً، وحصصهم قابلةً للحساب حتى الكسر، ولم يُنصَف سلبُ ملكيتهم يومًا بصورةٍ قانونية. وفي الأول من تموز (يوليو) 2026 لم تعد المسألة افتراضية، فقد وقّع وزير الخارجية الإسرائيلي والسفير الأميركي اتفاقًا رسميًا يخصّص مجمّع أللنبي مقرًا دائمًا للسفارة، وأعلن السفير أن واشنطن تسلّمت الموقع. لم يعد المشروع مجرّد استفزازٍ بالمعنى الدبلوماسي، بل هو تحويلٌ لأبرز رمزٍ للسيادة الأميركية في الخارج إلى شاهدٍ دائم على المصادرة غير المشروعة للملكية الفلسطينية، وهو يفعل ذلك الآن تحت توقيع.
يُبدّد الجدول الموحّد لأصحاب الحصص في الحوض 30113، القطعتين 21 و22، أي ادعاءٍ بأن الموقع مجهول الأصحاب أو خالٍ أو بلا مالك. فالقطعة 21 مسجّلة بمساحة 3،102.64 مترًا مربعًا، والقطعة 22 بمساحة 50،395 مترًا مربعًا، بل إن السجلّ يحتفظ بقياساتٍ متضاربة للقطعة 21 عبر نُسخٍ مختلفة من القيد العقاري، وهو أثرٌ صغيرٌ لإعادة الترقيم وإعادة التقسيم اللتين عرقلتا في السابق البحث الأصلي في الموقع. ويحدّد الجدول المُلّاك والورثة بالاسم وبالحصّة الكسرية. ويتكرّر اسم الدجاني صفحةً بعد صفحة، إذ يملك ورثة فائق محمود الدجاني الكثيرون حصّةً متماثلة قدرها ثلاثة وتسعون جزءًا من 184،320، بينما يملك فرع الداودي من العائلة نفسها كتلًا أكبر مقيسةً بأجزاءٍ من 1،105،920 ومن 69،120. وإلى جانبهم يقف آل الحسيني والخالدي والخليلي والترجمان والقليبو وكمال والعلمي وأبو السعود والعفيفي وهندية وآل ياسين، ولكلٍّ حصصه المحدّدة. وليست هذه ادعاءاتٍ نَسَبيةً غامضة، بل حقوقٌ عقاريةٌ مسجّلة، مُعبَّرٌ عنها بالأسماء والقطع والحصص المحدّدة قانونًا، ومسنَدةٌ في السجلّ إلى نُسخ القيد العقاري من زمن الانتداب لا إلى الذاكرة.

الجدول الموحّد لأصحاب الحصص في الحوض 30113، القطعتين 21 و22، يُدرج المُلّاك والورثة الفلسطينيين بأسمائهم وحصصهم الكسرية المحدّدة قانوناً في الأرض المخصّصة للسفارة الأمريكية الدائمة في القدس. ويشير عمود المصدر إلى نسخ القيد العقاري من زمن الانتداب (RP1) وإلى صحائف السجلّ
ولا يقف الجدول وحده. فقد توصّل بحثٌ أرشيفيٌّ أجراه وليد الخالدي ومؤسسة الدراسات الفلسطينية على مدى ست سنوات إلى الخلاصة الجوهرية نفسها عبر مسارٍ مستقل. إذ يضمّ موقع ثكنات أللنبي قطعًا تعود إلى حقبة الانتداب داخل الحوض 30113، وكان ما يزيد قليلًا على سبعين بالمئة منه ملكيةً فلسطينيةً خاصةً للاجئين، وأكثر من ثلث تلك الأرض الخاصة وقفٌ إسلامي. وفي الخامس عشر من أيار (مايو) 1948، آخر أيام الانتداب البريطاني، كان الموقع مملوكًا لستةٍ وسبعين فلسطينيًا ينتمون إلى تسع عشرة عائلة، أربعٌ منها مسيحية وخمس عشرة مسلمة، وهي قائمةٌ وصفها الخالدي بأنها فهرسٌ لأعيان القدس العربية. وقد ظلّ الجيش البريطاني يدفع لهم الإيجار حتى اليوم الأخير للانتداب، وسُدِّدت بعض المتأخرات في وقتٍ متأخّر بلغ عام 1951. وقد بات ورثتهم الأحياء يُعدّون بالمئات، ومن بين هؤلاء تسعون على الأقل يحملون جنسية الدولة نفسها التي تعتزم البناء على الأرض.
ومن ثمّ، فالسجلّ ليس وثيقةً معزولةً أو عابرة، بل يعزّز سجلًا أرشيفيًا راسخًا، ويُثبت بدقةٍ بيروقراطية أن مَن هُجِّروا من هذه الأرض لم يتلاشوا من القانون لمجرّد أن إسرائيل سيطرت على الإقليم. فأسماؤهم باقية، وذرّيّتهم باقية، وحصصهم في الملكية تظلّ قابلةً للقياس. إن ما مُحي ليس دليلَ الملكية، بل قدرة المُلّاك على ممارستها.
وقد حاولت الآلة القانونية المصادِرة في إسرائيل أن تحوّل ذلك الغياب القسري إلى حيازةٍ للدولة. فبموجب قانون أملاك الغائبين لعام 1950، أمكن تصنيف الفلسطينيين الذين هُجِّروا عام 1948 غائبين، ونقل أملاكهم إلى القيّم على أملاك الغائبين. وتكمن مفارقة النظام في دائريّته، فقد طُرد الفلسطينيون أو مُنعوا من العودة، ثم عُومل غيابهم الناتج عن ذلك بوصفه حالةً قانونية، ثم صارت تلك الحالة مبرّرًا لأخذ أملاكهم. صنع التهجيرُ الغيابَ قسرًا، ثم استُخدم ذلك الغياب ذريعةً قانونيةً لمصادرة الأرض نفسها. ويكشف الجدول مدى انتقائية هذه الآلية في عملها، إذ يسجّل مالكًا يهوديًا واحدًا على الأقل شريكًا في القطع نفسها لم تُنتزَع حصّته قط، إلى جانب المُلّاك الفلسطينيين الذين انتُزعت حصصهم. لم يصادِر القانون الملكية بوصفها ملكية، بل صادر ملكية أولئك الذين عرّفهم أولًا بأنهم غائبون.
ولم يكن هذا نظامًا محايدًا لإدارةٍ زمن الحرب، بل أداةً لنقل الأرض الفلسطينية إلى السيطرة الإسرائيلية عبر الحرمان التعسّفي والاستيلاء غير المشروع، مع إضفاء الصورة الخارجية للشرعية الداخلية على هذا النقل. ولا تستطيع دولةٌ أن تصطنع سندًا قانونيًا بمجرّد أن تشرّع بأن المالك المسلوب لم يعد ذا شأن. فالقانون الداخلي لا يُعفي دولةً من التزاماتها الدولية، ولا يمكنه أن يطهّر بأثرٍ رجعي حيازةً متجذّرةً في نزاعٍ مسلّح وتهجيرٍ وحرمانٍ من العودة.
وتؤكّد المادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حقَّ التملّك وحظرَ الحرمان التعسّفي منه معًا. وإن الاستيلاء على أرضٍ من أشخاصٍ هجّرتهم الحرب، بلا رضاهم وبلا ردٍّ للحقوق وبلا أي سبيلٍ فعّال إلى الإنصاف، يتناقض مباشرةً مع هذا المبدأ.
ويشير قانون النزاع المسلّح الأوسع إلى الوجهة نفسها. فالمادة 46 من لائحة لاهاي تقتضي احترام الملكية الخاصة وتحظر مصادرتها، والمادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة تمنع قوة الاحتلال من تدمير الملكية الخاصة إلا حيث تقتضيه العمليات العسكرية اقتضاءً مطلقًا. وتحكم هذه الصكوك الإقليمَ المحتلّ بالمعنى الدقيق، في حين يقع موقع السفارة في الجزء من القدس الذي تسيطر عليه إسرائيل منذ عام 1948، لا في القدس الشرقية المحتلة عام 1967، ومن ثمّ فإن انطباقها المباشر على الاستيلاء الأصلي محلّ جدل. غير أن المبدأ الذي تكرّسه، وهو أن الملكية الخاصة لا تنتقل إلى طرفٍ محارب بقوة الغزو، ليس محصورًا بخط 1967، بل يعبّر عن قاعدةٍ عرفية لا تغدو أحداثُ 1948 مشروعةً في مواجهتها لمجرّد وقوعها على الجانب الأسبق منه. ولا يجيز القانون الدولي لأي دولة أن تستند إلى تشريعها الداخلي لتبرير الإخلال بالتزاماتها الدولية أو لإضفاء المشروعية على نتائج نشأت عن الاستيلاء بالقوة.
كما أن القدس الغربية ليست الأرض السيادية المستقرة التي يفترضها الإعلان الإسرائيلي. فقد جعل قرار الجمعية العامة 181 القدسَ بأكملها كيانًا منفصلًا (corpus separatum) خاضعًا لنظامٍ دولي خاص، وهو وضعٌ لم يُلغِه أي صكٍّ مُلزِمٍ لاحقٍ بصورةٍ قانونية. ولهذا السبب بالذات لم تعترف أي دولة، بما فيها الولايات المتحدة، بسيادةٍ على أي جزءٍ من المدينة، غربيّها أو شرقيّها. وهكذا لم يقع استيلاء عام 1948 داخل إقليمٍ إسرائيليٍّ معترفٍ به، بل داخل مدينةٍ لا يزال القانون الدولي يُبقي وضعها مفتوحًا. وغياب السيادة المستقرة لا يُضعف المطالبة الفلسطينية، بل يزيل الأرضية التي كان يمكن أن تُلبَس عليها المصادرة ثوبَ العمل الداخلي المحض.
وقد عالج قرار الجمعية العامة 194 هذه العلاقة غير المحسومة بين اللاجئين وديارهم على وجه الدقة. فدعت فقرته الحادية عشرة إلى السماح للاجئين الراغبين في العودة والعيش بسلام بأن يفعلوا ذلك، وإلى دفع تعويضٍ لمن يختارون عدم العودة، وإلى جبر ما لحق بالممتلكات من فقدٍ أو ضررٍ بموجب القانون الدولي أو مبادئ الإنصاف. وعاملت لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة العودةَ والتعويض بوصفهما حقّين يعودان إلى اللاجئين أنفسهم، لا مِنّةً تقديريةً من الدولة التي أخذت أملاكهم.
ولم يبلغ أصحابَ أرض السفارة الموثّقين لا العودةُ ولا التعويضُ، بل نُقلت الملكية الآن بالتوقيع إلى قوةٍ أجنبية لأجل مجمّعٍ دبلوماسيٍّ دائم. فسلبُ الملكية لا يُصان فحسب، بل يُعمَّق ويُؤسَّس ويُمنح تصديقًا دوليًا في صورة اتفاقٍ ثنائي.
والتسلسل مثبتٌ في السجلّ. ففي آذار (مارس) 2026 أقرّت الحكومة الإسرائيلية تخصيص مجمّع أللنبي للسفارة الأميركية الدائمة، واصفةً القدس دون تحفّظٍ بأنها عاصمة إسرائيل، ولم تقل شيئًا عن الملكية الفلسطينية الخاصة الموثّقة في الموقع ولا عن وضع المدينة غير المحسوم. وفي تموز (يوليو) تحوّل ذلك التخصيص إلى اتفاقٍ موقّع. وكان إغفال المُلّاك مريحًا سياسيًا في كل مرحلة، وذا أثرٍ قانوني في المرحلتين معًا.
وقد أكّدت الولايات المتحدة نفسها أن الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل لا يحدّد حدود السيادة الإسرائيلية داخل المدينة. غير أن السفارة ليست إعلانًا مجرّدًا، بل فعلٌ مادّي على قطعة أرضٍ بعينها. وحيث أُخذت تلك الأرض من مُلّاكٍ فلسطينيين محدّدين، تحوّل السفارةُ موقفًا دبلوماسيًا ملتبسًا إلى مشاركةٍ مادّية في تبعات سلب الملكية. وقد وضع أحد أحفاد المُلّاك المدرَجين، وهو نفسه مواطنٌ أميركي، الأمرَ بوضوح، فحكومته، بالبناء هنا، تنتهك فعليًا حقوق ملكيةٍ أقسمت في مواضع أخرى على حمايتها.
وليس وضع القدس مما تنفرد إسرائيل بتقريره. فقد رفض قرار مجلس الأمن 478 محاولة إسرائيل تغيير طابع المدينة ووضعها، ودعا الدول التي لها بعثات دبلوماسية فيها إلى سحبها. وواصلت قراراتٌ لاحقة اعتبار نقل البعثات إلى القدس مخالفًا للقرار 478. وقد ترفض الولايات المتحدة ذلك الإجماع سياسيًا، لكن الرفض لا يذيبه. فالسفارة في القدس لا تحسم السيادة، والحصانة الدبلوماسية لا تصحّح سندًا معيبًا. إن اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية تحمي حرمة المقارّ الدبلوماسية وأداءها لوظائفها، لكنها لا تمنح ملكيةً مشروعة لأرضٍ اكتُسبت عبر سلب الملكية. ولا يمكن للسفارة أن تكون أداةً لتبييض السند.
ويزداد هذا خطورةً لأن على الدول واجباتٍ لا تقتصر على الامتناع عن الانتهاكات المباشرة، بل تمتدّ، في ظروفٍ محدّدة، إلى عدم الاعتراف بوضعٍ إقليميٍّ غير مشروع أو الإعانة عليه. ففي رأيها الاستشاري لعام 2024، قضت محكمة العدل الدولية بأن استمرار وجود إسرائيل في الأرض المحتلة منذ 1967 غير مشروع، وأن سياساتها تعيق حقّ الفلسطينيين في تقرير المصير، وأن على سائر الدول أن تميّز في تعاملاتها بين إسرائيل والأرض المحتلة، فلا تعترف بالوضع بوصفه مشروعًا ولا تقدّم عونًا لإدامته. ويقع موقع أللنبي خارج النطاق الإقليمي الدقيق لهذا الحكم، في القدس الغربية، غير أن منطق المحكمة يكشف مع ذلك الخطر الذي تجسّده السفارة، وهو استخدام الاعتراف الدبلوماسي لإضفاء المشروعية على نتائج أنتجتها القوة. والمشروع ينتمي إلى البنية نفسها، معاملةُ التهجير الفلسطيني بوصفه لا رجعة فيه، والملكيةِ الفلسطينية بوصفها قابلةً للاستغناء، والسيطرةِ الإسرائيلية بوصفها مصدّقةً لذاتها.
ويمنح قانونُ مسؤولية الدول هذا الخطرَ صيغةً قانونيةً أدقّ. فالمادتان 40 و41 من مواد لجنة القانون الدولي المتعلقة بمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا تتناولان الإخلالات الجسيمة بالتزاماتٍ ناشئةٍ عن قواعد آمرة من القانون الدولي العام. وتوجب المادة 41 على الدول أن تتعاون على وضع حدٍّ لتلك الإخلالات، وتنصّ على ألّا تعترف أي دولة بمشروعية وضعٍ نشأ عن مثل هذا الإخلال، وألّا تقدّم عونًا أو مساعدةً على الإبقاء عليه. ويقتضي تطبيقُ هذين الحكمين على هذه القطعة تحديدًا في القدس الغربية شيئًا من التحوّط، لأن المصادرة الأصلية وقعت عام 1948، ويقع الموقع خارج الإقليم الذي تناولته المحكمة مباشرةً في رأيها لعام 2024. غير أن المبدأ الحاكم يظلّ وثيقَ الصلة بالموضوع إلى حدٍّ بعيد. فالولايات المتحدة، بقبولها أرضًا يستند سندُ ملكيتها إلى نظامٍ مصادِرٍ لم يُحسَم، وبتطويرها إياها تطويرًا دائمًا، تجازف بتجاوز الاعتراف السياسي إلى المساعدة المادّية على إبقاء التبعات القانونية لسلب الفلسطينيين ملكيتهم. فالسؤال إذن ليس مجرّد ما إذا كانت واشنطن تؤيّد مطالبةً إسرائيلية، بل ما إذا كان السلوك الأميركي يُعين على ترسيخ وضعٍ تتوقّف شرعيته المزعومة على إسقاط حقوقٍ لم يعدّها القانون الدولي يومًا حقوقًا ساقطةً بصورةٍ مشروعة.
ويزيد من فداحة الظلم هويةُ الشاغل المرتقب. فالولايات المتحدة تقدّم نفسها ضامنةً للملكية الخاصة واليقين القانوني والنظام القائم على القواعد، وهي تعتزم في القدس أن ترفع مقرًا دبلوماسيًا دائمًا على أرضٍ سُلب مُلّاكها الخاصون، ولا يزال أحفادهم قابلين للتحديد، وبعضهم أميركيون، ولم تُفصَل مطالباتهم إنصافًا ولم تُلبَّ بعودةٍ أو تعويض. وهذه المطالبات ليست خامدة، إذ قدّم مركز عدالة، نيابةً عن مُلّاكٍ ومستفيدين من الأوقاف، اعتراضًا مفصّلًا مبنيًا على القانون الدولي أمام سلطات التخطيط الإسرائيلية. فالسجلّ الذي ستُقام السفارة فوقه سجلٌّ حيّ.
وليست هذه صفقةً عقاريةً بريئة، بل تبنٍّ من دولةٍ لغنائم ولّدها نظامٌ مصادِرٌ لدولةٍ أخرى. فلا تصبح الولايات المتحدة مجرد دولة تعترف بالمطالبة الإسرائيلية، بل طرفًا ينتفع عمليًا من آثار المصادرة ويمنحها مظهر الدوام والشرعية.
ولن تكتفي السفارة بشغل أرضٍ مصادَرة، بل ستُتمّ عمليةَ تبييضٍ قانوني. فالملكية تنتقل أولًا من المُلّاك الفلسطينيين المهجّرين إلى القيّم على أملاك الغائبين عبر تشريعٍ داخلي يحوّل الغياب القسري إلى سببٍ للمصادرة. ثم تُنقل أو تُخصَّص عبر القانون الإداري والبلدي الإسرائيلي. وتُوضع أخيرًا تحت تصرّف دولةٍ أجنبية ذات سيادة يُضفي حضورُها الدبلوماسي مظهرَ الدوام والانتظام والقبول الدولي. وفي كل مرحلةٍ يغدو العيبُ القانوني الأصلي أقلّ ظهورًا، لا لأنه عُولج، بل لأن أفعالًا إداريةً متعاقبةً واعترافًا سياسيًا تحلّ محلّ السند المشروع. وهكذا يصير البناء الدبلوماسي المرحلةَ الإدارية الأخيرة في تحويل المصادرة غير المشروعة إلى ما يبدو أمرًا طبيعيًا.
والجدول يجعل هذه الحقيقة عصيّةً على التمويه بصورةٍ غير معتادة. فاللغة البيروقراطية تُلطّف سلب الملكية، إذ تتحدث الحكومات عن التخصيص وإعادة التصنيف وأملاك الغائبين والمنفعة العامة والتطوير الدبلوماسي. أما السجلّ فيعيد ما تقمعه تلك اللغة، إذ يردّ الأرض إلى أصحابها، على الورق على الأقل، فيسجّل كلُّ سطرٍ شخصًا وعائلةً وحصّةً أُخذت منهم. كما يسجّل مصالح لم تكن خاصةً أصلًا، فالقطعة 22 تحمل وقف الخليلي، وهو وقفٌ أقدم من الدولة التي استولت عليه، ويمتدّ المستفيدون منه عبر كثيرٍ من عائلات القدس ذاتها. والملك الموقوف على غرضٍ ديني في تأبيدٍ لا يمكن جعله غائبًا، ومع ذلك أُخذ هو أيضًا.
وتكرار اسم الدجاني ذو دلالةٍ خاصة. فلم تكن الأرض حيازةً عرَضيةً أو هامشية، بل جزءًا من الجغرافيا المادّية لعائلةٍ مقدسيةٍ عريقة، متقاسَمةً عبر الأجيال ومصونةً بالإرث، وكذلك حال سائر مَن ورد ذكرهم. وقد بقيت ملكيتهم في صورةٍ موثّقة تحديدًا لأن سلب الملكية لم يُطفئها أخلاقيًا ولا تاريخيًا ولا بالضرورة قانونيًا. وحتى صمت السجلّ ناطق، فحيث تعذّر تحديد حصّةٍ دُوّنت بأنها غير معروفة، وتُقيَّد تركةُ مالكٍ متوفى ببساطةٍ باسم ورثته. والوثيقة لا تُغلق الحساب، بل تسجّل أن الحساب لم يُغلق قط.
ومن ثمّ، ستؤدّي السفارة وظيفتين في آنٍ واحد، ستؤوي دبلوماسيين أميركيين، وستُعين على دفن السند الفلسطيني تحت دعوى الدوام. وستُعلن هندستها أن نتيجة عام 1948 فوق كل طعن، وأن المصادرة تغدو مشروعةً متى مرّ عليها ما يكفي من الزمن، وأن حليفًا قويًا قد يرث منفعة ظلمٍ لم يُحسَم من دون أن يتحمّل مسؤوليته.
ولهذا يهمّ الموقع. فهو يكثّف تاريخ فلسطين في مجمّعٍ دبلوماسيٍّ واحد، جاء التهجير أولًا، ثم التشريع المصادِر، ثم النقل الإداري، والآن يأتي التصديق الدولي، مُعبَّرًا عنه بسفارةٍ يُراد لها أن تقوم دائمًا على أرض مَن أُبعدوا، ومُعبَّرًا عنه هذا العام بتوقيع.
إن المُلّاك المدرَجين في الحوض 30113 لم يختفوا، بل أُقصوا، وإقصاؤهم ليس حادثًا تاريخيًا عابرًا، بل حالةٌ قانونيةٌ مستمرة تُبقيها قوةُ الدولة. ولن يحلّ بناءُ السفارة الأميركية على أرضهم ذلك الظلم، بل سيحوّله إلى نُصب. فالسفارة المقامة على أرضٍ فلسطينيةٍ مصادَرة لا يمكن أن تمثّل السلام أو الشرعية أو النظام الدبلوماسي على نحوٍ ذي مصداقية، بل ستمثّل نقيضها، تحويلَ سلب الملكية إلى سياسة، والمصادرةِ غير المشروعة إلى واقعٍ دبلوماسيٍّ دائم، والاعترافِ الأميركي إلى تواطؤ. لن تُشيَّد السفارة فوق أرضٍ فحسب، بل فوق سجلٍّ لم يُغلق، وحقوقٍ لم تنقضِ، وملكيةٍ ما زال أصحابها معروفين بالاسم والحصة والإرث. ولذلك، فإن المبنى لن يكون مجرد مقرٍّ دبلوماسي، بل وثيقةً معماريةً على أن القوة استطاعت أن تؤجل العدالة، لكنها لم تستطع أن تُبطل الحق.


