يشكل قرار الحكومة البريطانية بإخضاع الحرس الثوري الإيراني لإجراءات قانونية مشددة وتجريم دعمه أو الترويج له محطة مهمة في السياسة الأمنية البريطانية تجاه النظام الإيراني. فهذا القرار، الذي جاء بعد سنوات من النقاشات داخل الأوساط السياسية والأمنية في المملكة المتحدة، لا يقتصر تأثيره على العلاقات الثنائية بين لندن وطهران، بل يحمل دلالات أوسع قد تؤثر في طريقة تعامل الدول الأوروبية مع أنشطة الحرس الثوري خارج الحدود الإيرانية.
وخلال السنوات الأخيرة، حذرت الأجهزة الأمنية البريطانية مرارًا من تزايد الأنشطة المنسوبة إلى النظام الإيراني داخل الأراضي البريطانية. كما أعلنت السلطات المختصة عن إحباط عدد من المخططات التي استهدفت معارضين إيرانيين أو أشخاصًا يتمتعون بحماية أمنية، الأمر الذي عزز القناعة لدى صنّاع القرار في لندن بضرورة تشديد الإطار القانوني لمواجهة هذه التهديدات. وفي هذا السياق، أصبحت أي أشكال الدعم أو الترويج أو التعاون مع الحرس الثوري خاضعة للمساءلة الجنائية بموجب التشريعات الجديدة.
ولا تقتصر أهمية القرار على بعده القانوني فحسب، بل تمتد إلى أبعاده الأمنية والسياسية. فمن الناحية الأمنية، تسعى بريطانيا إلى توجيه رسالة واضحة إلى الشبكات والأفراد الذين تعتبرهم السلطات مرتبطين بالحرس الثوري أو داعمين له، مفادها أن النشاط المرتبط بهذه المؤسسة لن يُنظر إليه بعد اليوم باعتباره مجرد نشاط سياسي، بل باعتباره قضية تمس الأمن الوطني البريطاني.
كما يُتوقع أن تتجاوز آثار هذا القرار حدود المملكة المتحدة، إذ يرى عدد من المراقبين أن الخطوة البريطانية قد تدفع دولًا أوروبية أخرى إلى إعادة تقييم سياساتها تجاه الحرس الثوري، وإلى بحث اتخاذ إجراءات قانونية وأمنية مشابهة، خاصة في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بالأنشطة العابرة للحدود المنسوبة إليه.
ومن الناحية السياسية، يعكس القرار تحولًا ملحوظًا في مقاربة الحكومة البريطانية تجاه النظام الإيراني. فبعد سنوات حاولت فيها بعض العواصم الأوروبية الموازنة بين الحوار الدبلوماسي مع طهران وبين الاعتبارات الأمنية، يبدو أن التطورات الأخيرة دفعت الاعتبارات الأمنية إلى احتلال موقع أكثر تقدمًا في رسم السياسات الأوروبية.
وقد رحب المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بهذه الخطوة، معتبرًا أنها تمثل تطورًا مهمًا في مواجهة سياسات النظام الإيراني. كما وصفت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية للفترة الانتقالية، القرار بأنه خطوة إيجابية، مؤكدة أن الحرس الثوري يمثل الأداة الرئيسية للقمع الداخلي وتصدير الإرهاب والتدخلات الإقليمية، ودعت إلى اعتماد سياسة مماثلة في سائر الدول الأوروبية.
وفي المقابل، رفضت السلطات الإيرانية القرار البريطاني واعتبرته خطوة ذات دوافع سياسية، وهو ما يعكس استمرار الخلاف العميق بين طهران والعواصم الغربية بشأن دور الحرس الثوري وسياساته داخل إيران وخارجها.
وفي سياق متصل، اكتسب هذا التطور بعدًا إقليميًا مع صدور بيان وقّعه 120 من الشخصيات السياسية والبرلمانية العربية من عدد من الدول العربية، أدانوا فيه ما وصفوه بالسياسات العدوانية للنظام الإيراني وتدخله في شؤون الدول العربية ودعمه للميليشيات وتهديده لأمن المنطقة واستقرارها.
وجاء في إحدى أهم فقرات البيان: "لقد أثبتت تجربة السنوات السبع والأربعين الماضية أن القمع في الداخل، وتصدير الإرهاب، والتدخل في دول المنطقة، والسعي إلى امتلاك السلاح النووي، تشكل أركانًا ثابتة في استراتيجية هذا النظام من أجل البقاء. كما أن الهجمات الصاروخية والهجمات بالطائرات المسيّرة، ودعم القوى التابعة له، واستمرار التدخل في الدول العربية، كلها تؤكد أن النظام الإيراني ضحى بأمن المنطقة واستقرارها من أجل حماية بقائه".
وتنسجم مضامين هذا البيان مع النقاش المتصاعد في عدد من العواصم الغربية حول العلاقة بين السياسات الداخلية للنظام الإيراني وأنشطته الإقليمية، والدور الذي تنسبه أطراف مختلفة إلى الحرس الثوري في تنفيذ هذه السياسات عبر شبكات وقوى حليفة في المنطقة.
وبصرف النظر عن تباين المواقف السياسية، فإن القرار البريطاني يحمل رسالة واضحة مفادها أن لندن باتت تنظر إلى الأنشطة المنسوبة إلى الحرس الثوري باعتبارها شأنًا يرتبط مباشرة بأمنها الوطني، وليس مجرد ملف من ملفات السياسة الخارجية.
وإذا ما اتجهت دول أوروبية أخرى إلى اتخاذ خطوات مماثلة، فإن ذلك قد يشكل بداية مرحلة جديدة في تعامل أوروبا مع النظام الإيراني، يكون عنوانها تشديد الأدوات القانونية والأمنية في مواجهة التحديات التي ترى تلك الدول أنها تمس أمنها واستقرارها، بما قد ينعكس أيضًا على معادلات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط.


