: آخر تحديث

كفر عقب والحرب: كيف صنعت السياسة منطقة بلا إدارة؟

2
2
2

لا تحتاج كفر عقب إلى حرب جديدة كي تعاني، لكنها كانت من أكثر المناطق التي كشفت الحرب المستمرة منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 هشاشتها البنيوية. وبينما انشغل العالم بالمعارك في قطاع غزة، والتصعيد في الضفة الغربية، وجولات التفاوض المتعثرة بين إسرائيل وحركة حماس، كانت هذه البلدة الواقعة شمال القدس تسير في اتجاه مختلف، اتجاه لا تصنعه المدافع وحدها، بل تصنعه سنوات طويلة من السياسات المؤقتة، والإدارات الغائبة، والقرارات التي تركت منطقة كاملة معلقة بين سلطتين، من دون أن تحظى بإدارة فعلية من أي منهما.

قد تبدو كفر عقب، للوهلة الأولى، قضية محلية تخص بضعة كيلومترات خلف الجدار الفاصل، لكنها في الواقع تقدم نموذجًا مكثفًا لإحدى أكثر الإشكاليات تعقيدًا في المشهد الفلسطيني. فهي تقع ضمن الحدود البلدية التي أعلنتها إسرائيل للقدس، وتخضع قانونيًا لسيطرتها، لكنها معزولة عمليًا خلف الجدار، فيما لا تمارس السلطة الفلسطينية صلاحياتها فيها بحكم التعقيدات السياسية والقانونية المرتبطة بالمدينة. وهكذا، وجد عشرات الآلاف من السكان أنفسهم في مساحة تتداخل فيها الاختصاصات وتغيب عنها الإدارة المتكاملة.

ولا يمكن فهم واقع البلدة من دون العودة إلى التحولات التي شهدتها بعد بناء الجدار الفاصل. فقد انتقلت إليها أعداد كبيرة من الفلسطينيين المقدسيين للحفاظ على حق الإقامة في القدس، مستفيدين من انخفاض أسعار السكن مقارنة بأحياء المدينة الأخرى، مع بقائهم داخل الحدود البلدية من الناحية القانونية. غير أن هذا النمو السكاني المتسارع سبق التخطيط العمراني والخدمات العامة بمراحل، فتحولت كفر عقب خلال سنوات قليلة إلى واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية في محيط القدس، بينما بقيت البنية التحتية والخدمات البلدية عاجزة عن مواكبة هذا التحول.

الأزمة، إذًا، لم تنشأ مع الحرب، لكنها ازدادت تعقيدًا بفعلها. فمنذ اندلاعها، أعادت إسرائيل ترتيب أولوياتها على أساس أمني، وشددت إجراءات الحركة على مداخل القدس والضفة الغربية، فيما تراجعت الملفات المدنية إلى مرتبة ثانوية. وفي المقابل، واجهت السلطة الفلسطينية ضغوطًا مالية وسياسية متزايدة حدّت من قدرتها على أداء بعض وظائفها. وبين هذين الواقعين، اتسعت مساحة الفراغ الإداري، وكانت كفر عقب إحدى أكثر المناطق تعبيرًا عنه.

ومن يزور البلدة اليوم لا يحتاج إلى كثير من الشرح ليدرك حجم المشكلة. شوارع تعاني من ازدحام مزمن، وبنية تحتية لا تتناسب مع الزيادة السكانية، ومبانٍ ارتفع كثير منها في ظل غياب التخطيط الحضري، وخدمات بلدية لا تعكس حجم الضرائب التي يدفعها السكان. ولا تمثل هذه المشاهد مجرد مظاهر للإهمال، بل تعكس فجوة مستمرة بين المسؤولية القانونية والإدارة الفعلية.

ولعل أخطر ما في هذا الواقع أن الأزمة لم تعد تقتصر على نقص الخدمات. فعندما تغيب الإدارة، تتراجع قدرة المؤسسات على فرض القانون، وتتداخل الملفات العمرانية والأمنية والاجتماعية في مشهد واحد. وتتحول مخالفات البناء من قضية تنظيمية إلى نتيجة مباشرة لغياب التخطيط، بينما تصبح مكافحة الجريمة والحفاظ على النظام العام أكثر تعقيدًا في منطقة لا تمارس فيها أي جهة مسؤولياتها بصورة مكتملة.

وجاءت الحرب لتضيف طبقة جديدة من الضغوط. فقد أثرت القيود المفروضة على الحركة في العمال والطلبة والموظفين الذين يعبرون الحواجز يوميًا، وانعكس ذلك على النشاط الاقتصادي ومستويات الدخل وحركة الأسواق، لتصبح الأعباء المعيشية جزءًا من التداعيات اليومية للصراع، حتى في المناطق التي لا تشهد عمليات عسكرية مباشرة.

وفي الوقت نفسه، ما تزال المفاوضات غير المباشرة، بوساطة مصر وقطر والولايات المتحدة، تدور حول القضايا الجوهرية المتعلقة بوقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى والمحتجزين، ومستقبل إدارة قطاع غزة، والترتيبات الأمنية لمرحلة ما بعد الحرب. وبالرغم من استمرار جولات التفاوض، فإن الخلافات بشأن مستقبل السلاح، والانسحاب الإسرائيلي، والضمانات الأمنية، لا تزال تحول دون التوصل إلى اتفاق نهائي، وهو ما يبقي حالة عدم اليقين مسيطرة على المشهد الفلسطيني بأسره.

غير أن تركيز الاهتمام على غزة، على أهميته، دفع قضايا أخرى إلى الهامش، وفي مقدمتها القدس وضواحيها. فالمفاوضات تناقش مستقبل القطاع، لكنها لا تقدم حتى الآن تصورًا واضحًا لمعالجة الأوضاع المتراكمة في مناطق مثل كفر عقب، التي تعيش أزمات مزمنة تتجاوز آثار الحرب المباشرة.

ومن الخطأ أيضًا اختزال هذه الأزمة في مسؤولية طرف واحد. فإسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، تتحمل المسؤولية القانونية عن إدارة المنطقة وتوفير الخدمات الأساسية لسكانها، غير أن التجربة الفلسطينية خلال السنوات الماضية أظهرت كذلك أن استمرار الانقسام الداخلي أضعف القدرة على بلورة رؤية وطنية متماسكة للتعامل مع القدس ومحيطها، وترك فراغًا استغلته الوقائع الميدانية لفرض معادلات أكثر تعقيدًا.

وفي هذا السياق، تبدو المراجعة الهادئة لأداء القوى الفلسطينية، بما فيها حركة حماس، أمرًا مشروعًا وضروريًا. فقد أظهرت الحرب مرة أخرى أن التركيز على إدارة الصراع في أبعاده العسكرية والسياسية، من دون منح الإدارة المدنية، والاقتصاد، وبناء المؤسسات، أولوية موازية، يجعل المجتمعات الفلسطينية أكثر عرضة لتداعيات الأزمات الممتدة. ولا يتعلق الأمر بتحميل طرف بعينه مسؤولية المشهد، بل بالإقرار بأن حماية المجتمع الفلسطيني لا تقتصر على إدارة المواجهة، وإنما تشمل أيضًا بناء مقومات الصمود اليومي، وتعزيز قدرة المؤسسات على الاستجابة لتحديات الحياة المدنية.

والأمر نفسه ينطبق على السلطة الفلسطينية، التي تواجه قيودًا حقيقية، لكنها مطالبة في الوقت ذاته بتطوير أدوات أكثر فاعلية للتعامل مع المناطق التي يصعب عليها إدارتها بصورة مباشرة، عبر صيغ مؤسسية ومجتمعية تضمن الحد الأدنى من الخدمات والتنظيم، بدلاً من الاكتفاء بتفسير الواقع القائم.

لقد أثبتت كفر عقب أن أخطر ما يمكن أن تنتجه الصراعات الطويلة ليس الدمار وحده، بل اعتياد المجتمعات على غياب الإدارة. فعندما يصبح نقص الخدمات أمرًا مألوفًا، وتتراجع هيبة القانون، ويتحول الفراغ المؤسسي إلى جزء من الحياة اليومية، فإن الخسارة لا تكون عمرانية أو اقتصادية فحسب، بل تمس فكرة الحكم الرشيد نفسها.

ولهذا، فإن مستقبل كفر عقب لا يرتبط فقط بنتائج المفاوضات الجارية أو بموعد انتهاء الحرب، بل بقدرة جميع الأطراف، كلٌّ وفق مسؤولياته، على إدراك أن إدارة الصراع لا يمكن أن تكون بديلاً عن إدارة حياة الناس. فالسياسات التي نجحت في تأجيل الانفجار لم تنجح في معالجة أسبابه، والحرب الأخيرة أعادت التذكير بأن الأزمات المؤجلة لا تختفي، بل تعود دائمًا بصورة أكثر تعقيدًا.

وربما تكون كفر عقب اليوم واحدة من أكثر زوايا القدس تهميشًا في الحسابات السياسية، لكنها في الوقت ذاته واحدة من أكثرها قدرة على كشف حقيقة الصراع. فهي تذكر الجميع بأن الأزمات الكبرى لا تبدأ دائمًا على خطوط النار، بل قد تبدأ في شارع تغيب عنه الخدمات، أو في حيّ لا يعرف سكانه من المسؤول عن أمنهم، أو في مدينة تحمل اسم القدس، لكنها تُدار كما لو أنها خارجها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.