: آخر تحديث

كأس صدام

3
3
3

بالرغم من مذكرة التفاهم الهشة، عادت المواجهات الساخنة من جديد بين الولايات المتحدة الأميركية ونظام الملالي، وهذه المرة يطلق الأخير تهديداته باستهداف البنى التحتية لدول في المنطقة، ويكثف من هجماته أملًا في أن يؤثر ذلك على ترامب ليعود مذعنًا إلى تلك المذكرة، وتبدأ جولات التفاوض التي هي، من حيث المضمون، تكاد أن تكون مثل الدجاجة من البيضة أم البيضة من الدجاجة.

بحكم أن للولايات المتحدة الأميركية والبلدان الغربية مصالح متجذرة في المنطقة لا يمكن التخلي عنها إطلاقًا، فإنه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تقبل ما يمكن وصفه بـ"شريك" يفرض نفسه، لأن ذلك لا يغيّر قواعد اللعبة المتبعة في المنطقة فحسب، وإنما يمكن حتى أن يحدث زلزالًا سياسيًا ـ فكريًا يمتد إلى الجغرافيا، وخطورة تقبل هكذا شريك من دون حسم أمره، أو على أقل تقدير لجمه وجعله في دائرة "فاتيكانية"، تكمن في تكراره مستقبلًا.

إذا عُرف الداء وُجد الدواء، مشكلة نظام الملالي تتلخص في كونه لا ينتمي إلى هذا العصر إطلاقًا، ولا سيما وقد ثبت أنه حالة شاذة من "اللادولة"، ولعل ما ذكره علي ربيعي، المساعد الاجتماعي لرئيس الجمهورية مسعود بزشكيان والمتحدث السابق باسم حكومة حسن روحاني، من أنه "لا يمكن أن تتحمل الحكومة المسؤولية إذا كانت لا تمتلك الصلاحيات اللازمة، ولا يمكن أن يقوم البرلمان أو السلطة القضائية بمهامهما الحقيقية إذا كانت القرارات الأساسية تتخذ خارج المؤسسات الدستورية". وأمام هكذا حالة شاذة، وفي أكثر منطقة حساسية وتعقيدًا في العالم، لا يمكن إطلاقًا تقبلها والسعي من أجل التعايش معها، ولا سيما أن لا "الاستيعاب المزدوج" للرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، ولا سياسة "الاسترضاء" المتبعة من قبل البلدان الغربية، قد تمكنا من تحقيق أي تقارب أو تفاهم مع هذه الحالة، وحتى إن الحرب "المحدودة" حتى الآن لم تتمكن أيضًا من ذلك، ولذا فمن الواضح جدًا أن لا نهاية لهذه القصة الغريبة شكلًا ومضمونًا إلا في طهران نفسها.

ثلاثة عشر عامًا كانت المسافة الزمنية بين مغامرة صدام حسين باحتلال الكويت وسقوط نظامه. وخلال تلك السنوات تعاقبت أحداث وتحولات كبرى، غير أن العامل الحاسم الذي قاده إلى الهاوية تمثل في قراءته الخاطئة للمعادلات السياسية الإقليمية والدولية، وعجزه عن إدراك طبيعة العلاقة بينهما وكيفية تفاعل مصالح القوى الكبرى مع التوازنات الإقليمية.

واللافت أن نظام الملالي يبدو اليوم وكأنه يعيد ارتكاب الخطأ ذاته، وإن كان بأسلوب مختلف، فبدلًا من الاحتلال العسكري المباشر، عمل على فرض نفوذ وهيمنة على عدد من الدول عبر إنشاء شبكات من الوكلاء والميليشيات، بما جعل تلك الدول تعيش أوضاعًا تشبه الوصاية أو الانتداب غير المعلن، مع إصراره على الإبقاء على هذا الواقع الشاذ، بالرغم من المتغيرات المتسارعة.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تجاوز النظام الإيراني حدود نفوذه الإقليمي بمحاولة محاكاة سلوك القوى العظمى، وسعيه الدائم إلى تقديم نفسه بوصفه قوة دولية قادرة على فرض إرادتها خارج حدودها. غير أن تجاهل حدود القوة وسوء تقدير موازين القوى الإقليمية والدولية قد يفضيان إلى النتائج نفسها التي انتهى إليها نظام صدام حسين، إذ إن الإصرار على قراءة خاطئة للواقع السياسي كثيرًا ما يقود أصحابه إلى دفع أثمان باهظة، ولذلك فإن الكأس الذي تجرعه صدام في انتظار نظام الملالي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف