: آخر تحديث

الأسطورة والوريث: من يحكم العالم؟

60
52
57

مساء الأحد، تُطوى الصفحة الأخيرة من كأس العالم 2026، البطولة الأطول والأكثر ازدحامًا بالمباريات في تاريخ المسابقة. أكثر من شهر من الترقب، وما يزيد على مئة مباراة، وعشرات الحكايات التي تراوحت بين الفرح والانكسار، وبين منتخبات عادت من حافة السقوط، وأخرى غادرت وهي تظن أن الطريق لا يزال مفتوحًا أمامها.

وبعد كل ذلك الصخب، لم يبقَ في المشهد سوى منتخبين: إسبانيا، بطلة أوروبا وصاحبة المشروع الكروي المتجدد، والأرجنتين، حاملة اللقب وبطلة أميركا الجنوبية، التي ما زالت تقاتل للاحتفاظ بمكانها فوق قمة العالم.

إنه نهائي يبدو كما لو أن كرة القدم نسجت تفاصيله بهدوء، ثم احتفظت به للمشهد الأخير. مباراة لا تختصر فقط صراعًا على الكأس، بل تفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز النتيجة: هل ينجح جيل إسباني جديد في إعلان نفسه وريثًا شرعيًا لزمن كروي مقبل؟ أم تواصل الأرجنتين، بقيادة ليونيل ميسي، تأجيل لحظة الوداع وإطالة عمر الأسطورة؟

يجمع المنتخبين انتماءٌ إلى فضاء كروي لاتيني واحد، حيث تحضر المهارة والخيال والعاطفة، لكنهما يختلفان في طريقة التعبير عن هذه اللغة. إسبانيا تنظر إلى الكرة بوصفها وسيلة للتفكير والسيطرة وإعادة ترتيب المساحات، بينما تتعامل الأرجنتين معها كمعركة إرادة، تختلط فيها الخطة بالحماسة، والموهبة بروح جماعية ترفض الاعتراف بالهزيمة.

إسبانيا تريد أن تجعل المباراة تسير وفق إيقاعها: تمرير متواصل، وتحرك بلا كرة، وضغط مبكر، وصبر على بناء الهجمة حتى تتشكل الثغرة المطلوبة. أما الأرجنتين، فلا تحتاج دائمًا إلى السيطرة الكاملة كي تشعر بأنها داخل المباراة، يكفيها أن تبقى قريبة من خصمها، وأن تحافظ على تماسكها، ثم تنتظر لحظة ارتباك واحدة لتحولها إلى فرصة قد تغير كل شيء.

وبالرغم من ثراء النهائي بالتفاصيل الفنية، تتقدم إلى الواجهة حكاية خطفت خيال الجماهير قبل أن تبدأ المباراة: ليونيل ميسي في مواجهة لامين يامال.

قبل نحو عقدين، التُقطت صورة لميسي الشاب وهو يحمل طفلًا رضيعًا خلال فعالية خيرية في برشلونة. لم يكن أحد يتخيل آنذاك أن ذلك الطفل سيكبر ليصبح لامين يامال، أحد أبرز مواهب كرة القدم العالمية، وأن يقف يومًا في الطرف الآخر من الملعب، منافسًا للرجل الذي ألهم جيلًا كاملًا.

الصورة غدت استعارة مكثفة لمعنى الزمن في كرة القدم. لاعب يقترب من نهاية رحلة استثنائية، وفتى يقف على العتبة الأولى من رحلة قد تكون طويلة. رجل يحمل ذاكرة اللعبة الحديثة، وشاب يحمل احتمالات مستقبلها.

بين ميسي ويامال نحو عشرين عامًا من العمر، لكن المسافة بينهما في المخيلة الكروية أكبر من مجرد فارق زمني. إنها المسافة بين جيل تعلّم كرة القدم وهو يشاهد ميسي يعيد تعريف المستحيل، وجيل جديد يريد أن يكتب تعريفه الخاص للموهبة والنجومية.

غير أن هذا النهائي لا ينبغي اختزاله في فكرة "تسليم الشعلة"، لأن الأساطير لا تسلم مكانها بقرار رمزي، ولا تنتهي لمجرد ظهور موهبة جديدة. التاريخ الرياضي أكثر تعقيدًا من ذلك، فقد يتعايش الماضي والمستقبل في الملعب نفسه، وقد يمنح اللاعب المخضرم درسًا أخيرًا للشاب، مثلما قد يعلن الشاب، بجرأته، أن الزمن لا ينتظر أحدًا.

يدخل ميسي المباراة في التاسعة والثلاثين من عمره. لم يعد ذلك الفتى الذي ينطلق بالكرة من منتصف الملعب، فيترك المدافعين خلفه كما لو أنهم عالقون في لقطة بطيئة. هدأت سرعته، وتراجعت قدرته على خوض الصراعات البدنية المتواصلة، لكنه اكتسب شيئًا آخر لا تمنحه العضلات وحدها: القدرة على قراءة المباراة قبل أن تتشكل أحداثها.

أصبح ميسي أكثر اقتصادًا في الحركة، وأشد تأثيرًا في اللحظة المناسبة. قد يبتعد دقائق طويلة عن الكرة، ثم يلمسها لمسة واحدة تكشف الملعب كله. تمريرة بين خطين، ووقفة في مكان لا ينتبه إليه المدافع، أو تغيير مفاجئ لاتجاه اللعب، تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها قد تكون كافية لفتح مباراة مغلقة.

وفي هذا المونديال، قدم ميسي دليلًا جديدًا على أن عبقرية اللاعب لا تُقاس فقط بقدرة الجسد على مقاومة الخصوم، بل أيضًا بقدرة العقل على مقاومة الزمن. وحين تتباطأ الخطوات، تصبح الرؤية أسرع، وحين يفقد اللاعب شيئًا من قوته، قد يعوضه بالخبرة والهدوء واختيار اللحظة.

قيمة يامال تكمن في الأثر الذي أحدثه داخل المنتخب الإسباني. منح "لا روخا" بُعدًا كان ينقصها في مراحل سابقة: الجرأة على المواجهة المباشرة، والقدرة على كسر التنظيم الدفاعي من الطرف، والتحول السريع من الاستحواذ الهادئ إلى هجمة تضع المرمى تحت الخطر.

إسبانيا التي عُرفت طويلًا بكثرة التمرير والصبر على تدوير الكرة، أصبحت أكثر مرونة. لم تعد أسيرة الاستحواذ من أجل الاستحواذ، بل باتت قادرة على المزج بين البناء المنظم والاندفاع السريع، وبين السيطرة الجماعية والمبادرة الفردية. وفي قلب هذا التحول يقف يامال، ليس بوصفه لاعبًا واعدًا فحسب، بل واحدًا من أبرز وجوه المشروع الجديد.

وتحمل قصة يامال بُعدًا اجتماعيًا يتجاوز حدود الملعب. فهو مولود في إسبانيا لأب مغربي وأم من غينيا الاستوائية، ونشأ في حي روكافوندا المتواضع، الذي ظل حاضرًا في ذاكرته واحتفالاته. يامال يُجسد إسبانيا الحديثة بتنوعها الثقافي والاجتماعي، ويقدم كرة القدم بوصفها مساحة يستطيع فيها ابن عائلة مهاجرة أن يصبح وجهًا لبلد كامل، من دون أن يتخلى عن جذوره أو ذاكرة أسرته.

تكتسب المباراة أحد أجمل أبعادها الإنسانية، فالنهائيات الكبرى لا تتوقف على ما يدور داخل الملعب فقط.

يبدو النهائي مرشحًا لأن يكون متقاربًا، حذرًا في بدايته، ومفتوحًا على كل الاحتمالات في مراحله الأخيرة. وقد يمتد إلى وقت إضافي إذا نجحت الأرجنتين في تعطيل إيقاع إسبانيا ومنعها من التسجيل المبكر. أما إذا فرض المنتخب الإسباني سيطرته، وحرم ميسي من المساحات بين الوسط والدفاع، فقد يميل ميزان المباراة لمصلحته.

ربما يكون السؤال الحقيقي: هل شهد العالم الفصل الأخير من عصر ميسي، أم أن الأسطورة قررت أن تؤجل النهاية مرة أخرى؟ وهل كانت ليلة التتويج وداعًا لزمن عظيم، أم اللحظة التي بدأ فيها زمن لامين يامال؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.