: آخر تحديث

كيف تتحول المرحلة الانتقالية إلى مشروع لبناء الدولة في سوريا؟

5
4
5

تدخل سوريا مرحلة تاريخية لا تتحدد أهميتها فقط بما ستشهده من ترتيبات سياسية أو مؤسسات انتقالية، وإنما بما ستتركه من أثر على شكل الدولة ومستقبلها لعقود مقبلة. فالدول التي تخرج من الحروب أو التحولات الكبرى لا تواجه فقط تحدي تجاوز الماضي، بل تواجه سؤالًا أكثر عمقًا: كيف تمنع إعادة إنتاج أسباب الأزمة، وكيف تحول لحظة التحول السياسي إلى فرصة لبناء دولة أكثر قوة واستقرارًا؟

ولهذا، فإن السؤال الأساسي في الحالة السورية لا ينبغي أن يكون فقط: كيف تُدار المرحلة الانتقالية؟ بل كيف تتحول هذه المرحلة إلى مشروع متكامل لبناء الدولة؟

فالمراحل الانتقالية بطبيعتها مؤقتة، مهما طال أمدها، بينما الدولة هي المشروع الدائم الذي يستمر بعد تغير الحكومات والقيادات والظروف السياسية. وقد أثبتت تجارب دول عديدة أن الانتقال السياسي، بالرغم من أهميته، لا يؤدي تلقائيًا إلى الاستقرار، ما لم يترافق مع بناء مؤسسات قادرة على أداء وظائفها الأساسية. فالدساتير والانتخابات تمنح الشرعية، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة دولة قادرة، لأن الشرعية تحتاج إلى مؤسسات تحولها إلى سياسات، وإلى إدارة تنفذ هذه السياسات، وإلى قانون يحميها.

وهنا يكمن الفرق بين بناء السلطة وبناء الدولة. فبناء السلطة يتعلق بمن يحكم، وكيف يتم اختيار الحكام، وما القواعد التي تنظم تداول السلطة. أما بناء الدولة فيتعلق بقدرة المؤسسات على العمل بعيدًا عن الأشخاص، وعلى ضمان استمرار الوظائف الأساسية للدولة مهما تغيرت الحكومات أو تبدلت التوازنات السياسية.

وتشير التجارب المقارنة إلى أن الدول التي نجحت بعد الحروب أو التحولات الكبرى لم تنجح لأنها تجاوزت تحديات أقل من غيرها، بل لأنها أحسنت ترتيب أولوياتها. فقد أدركت أن معالجة الأزمات اليومية لا يمكن أن تكون بديلًا عن معالجة الأسباب البنيوية التي أنتجت الضعف. وفي المقابل، تعثرت تجارب أخرى لأنها ركزت على إعادة توزيع السلطة قبل بناء المؤسسات القادرة على إدارة هذه السلطة.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام سوريا لن يكون فقط حجم الموارد التي ستتوافر لإعادة البناء، بل قدرة مؤسسات الدولة على إدارة هذه الموارد بكفاءة وشفافية. فالدول لا تنهض بمجرد تدفق الأموال، وإنما بوجود مؤسسات تستطيع توجيهها نحو الأولويات الوطنية، ومنع الهدر، وضمان أن تتحول الاستثمارات إلى نمو اقتصادي مستدام.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في الملف الاقتصادي. فإعادة تنشيط الاقتصاد السوري لن تعتمد فقط على حجم التمويل أو الدعم الخارجي، بل على طبيعة البيئة التي ستعمل فيها هذه الموارد. فالمستثمر المحلي أو العربي أو الدولي يبحث قبل ضخ أمواله عن قواعد واضحة، وقضاء يمكن الوثوق به، وتشريعات مستقرة، وإدارة قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه.

ولهذا، فإن بناء الدولة يمثل في الوقت نفسه مشروعًا اقتصاديًا. فكل إصلاح في الإدارة العامة، وكل خطوة لتعزيز سيادة القانون، وكل تقدم في مجال الشفافية والحوكمة، لا يمثل فقط إنجازًا سياسيًا، بل يشكل عاملًا مباشرًا في تحسين بيئة الأعمال، واستعادة النشاط الاقتصادي، وجذب الاستثمارات الضرورية لمرحلة التعافي.

ولا يكتمل مشروع بناء الدولة بالإصلاحات الإدارية والاقتصادية وحدها، لأن الدولة في جوهرها ليست مؤسسات فقط، وإنما علاقة مستمرة بين هذه المؤسسات والمجتمع الذي تعمل من أجله. ولذلك، فإن أحد أكبر التحديات أمام سوريا خلال المرحلة المقبلة سيكون إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن.

كما أن قوة الدولة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها نقيضًا للمشاركة المجتمعية أو لتوسيع دور المجتمع في الحياة العامة. فالدولة القوية ليست الدولة التي تسيطر على كل المجالات، وإنما الدولة التي تمتلك مؤسسات قادرة على إدارة الشأن العام وفق قواعد واضحة، وتسمح في الوقت نفسه بمشاركة المواطنين والقطاع الخاص والمجتمع المدني في عملية البناء والتنمية.

وفي هذا السياق، يمكن أن تشكل اللامركزية الإدارية المدروسة إحدى أدوات تعزيز الدولة، إذا صُممت ضمن إطار قانوني واضح يحافظ على وحدة الدولة ويضمن توزيعًا أكثر كفاءة للمهام والمسؤوليات. فالهدف من اللامركزية ليس تقليص دور الدولة، بل جعلها أكثر قدرة على الوصول إلى المواطنين، وأكثر استجابة لاحتياجات المناطق المختلفة.

ويبرز كذلك ملف العدالة الانتقالية باعتباره أحد المكونات الأساسية لبناء الدولة الجديدة. فالعدالة الانتقالية ليست مجرد آلية لمعالجة انتهاكات الماضي أو محاسبة المسؤولين عنها، وإنما هي جزء من عملية أوسع لإعادة تأسيس الثقة في القانون والمؤسسات. فالدولة التي لا تستطيع معالجة إرث الماضي بطريقة عادلة وشفافة ستواجه صعوبة في إقناع مواطنيها بأن المرحلة الجديدة تمثل تحولًا حقيقيًا.

وفي الوقت نفسه، فإن نجاح إعادة بناء سوريا لن يعتمد على العوامل الداخلية فقط، بل سيتأثر أيضًا بالبيئة الإقليمية والدولية المحيطة بها. فإعادة الإعمار، واستعادة النشاط الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، ونقل الخبرات، كلها تحتاج إلى بيئة خارجية تساعد على الاستقرار والانفتاح والتعاون.

غير أن التجارب الدولية تؤكد أن الدعم الخارجي، مهما كان حجمه، لا يمكن أن يحل محل المؤسسات الوطنية. فالمساعدات والاستثمارات قد توفر فرصًا مهمة، لكنها لا تتحول إلى تنمية حقيقية ما لم توجد مؤسسات سورية قادرة على إدارتها، ووضع أولويات واضحة لها، وضمان توجيهها نحو بناء اقتصاد منتج ومستدام.

ولهذا، فإن التحدي الأكبر أمام سوريا في المرحلة المقبلة لا يتمثل فقط في تجاوز آثار الحرب، وإنما في تجنب إعادة إنتاج نموذج الدولة الهشة بأدوات جديدة. فاستبدال النخب أو تغيير الهياكل السياسية لا يكفي إذا بقيت المؤسسات ضعيفة، وإذا ظلت العلاقة بين الدولة والمجتمع قائمة على انعدام الثقة، وإذا لم تُبنَ قواعد واضحة للحكم الرشيد.

إن المرحلة الانتقالية تمثل فرصة تاريخية لا تتكرر كثيرًا. ويمكن أن تكون مجرد فترة لإدارة الأزمات وترتيب التوازنات السياسية، كما يمكن أن تتحول إلى بداية مشروع وطني طويل لبناء دولة حديثة. والفارق بين المسارين لا تحدده الشعارات، وإنما القدرة على اتخاذ قرارات مؤسسية عميقة تعيد تعريف طريقة عمل الدولة وعلاقتها بالمجتمع.

فنجاح سوريا لن يُقاس فقط بقدرتها على إنهاء المرحلة الانتقالية، أو بإجراء الانتخابات، أو بإقرار الدستور، بالرغم من أهمية هذه الخطوات جميعًا. بل سيُقاس بقدرتها على بناء مؤسسات تتجاوز الأشخاص، وتعمل وفق قواعد مستقرة، وتوفر الأمن والعدالة والتنمية للمواطنين.

وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يوجه النقاش السوري اليوم ليس: متى تنتهي المرحلة الانتقالية؟ بل: ماذا ستترك هذه المرحلة بعدها؟

فالدول لا تنهض بمجرد انتهاء الحروب أو سقوط الأنظمة أو توقيع الاتفاقات السياسية، وإنما تنهض عندما تمتلك مؤسسات قادرة على حماية الاستقرار، وإدارة التنمية، وصون الحقوق. ومن هنا، فإن بناء الدولة ليس أحد ملفات المرحلة المقبلة، بل هو الملف الذي تتوقف عليه جميع الملفات الأخرى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.