تعيد روسيا "هندسة" حضورها في سوريا، بعد التحولات السياسية التي شهدتها دمشق وسقوط نظام بشار الأسد في نهاية عام 2024. إذ بدأت بالانتقال تدريجيًا من نموذج النفوذ القائم أساسًا على القوة العسكرية إلى صيغة أكثر مرونة تجمع بين الاقتصاد والتجارة والطاقة والخدمات اللوجستية.
في قلب هذه الاستراتيجية، يبرز مشروع إنشاء مركز لتجميع وتخزين وتوزيع البضائع الروسية في ميناء طرطوس، بما يحوّل الوجود الروسي على الساحل السوري من "نقطة إسناد" بحرية إلى "بوابة تجارية" يمكن أن تربط البحر الأسود بالأسواق السورية والعراقية والأردنية، ولاحقًا بدول الخليج العربي.
ووفق معلومات نشرتها وكالة رويترز، قبل أيام، تأمل الجهات القائمة على المشروع ببدء تشغيل المركز خلال منتصف الشهر الحالي، تموز (يوليو)، من الرصيف الرابع الواقع ضمن المنطقة التي تستخدمها روسيا في طرطوس، وذلك بالتوازي مع احتفاظ موسكو برصيف آخر لنشاطها البحري.
ويستهدف المركز، في مرحلته الأولى، مناولة نحو 250 ألف طن شهريًا من القمح والحبوب والأعلاف والزيوت النباتية والأخشاب والصلب والفحم والسكر والزيوت المعدنية، على أن تبدأ العمليات بشحنة حبوب تبلغ نحو 30 ألف طن.
وأعلنت شركة روس لاين السورية ومجلس الأعمال الروسي – السوري أن العمل جارٍ لتأسيس شراكة تشغيلية تربطه بصندوق سوريا السيادي. كما تنبع أهمية الحضور الروسي بالنسبة إلى سوريا من حقيقة أن موسكو لا تدخل السوق السورية بوصفها مستثمرًا جديدًا يحتاج إلى سنوات لفهم البلد ومؤسساته، بل باعتبارها شريكًا يمتلك علاقات ممتدة وخبرة مباشرة في قطاعات الطاقة والحبوب والنقل والصناعة.
كما أن روسيا هي من أكبر مصدري القمح والحبوب والمواد الأولية في العالم، ما يمنحها قدرة على تزويد السوق السورية باحتياجات استراتيجية لا يمكن تأجيلها إلى حين اكتمال مشاريع إعادة الإعمار الكبرى. ففي بلد أنهكته الحرب، وتعرضت بنيته الإنتاجية والزراعية والصناعية لأضرار هائلة، لا يمكن فصل الاستقرار السياسي عن الأمن الغذائي والطاقة وحركة التجارة. ولذلك، فإن وجود خط ملاحي منتظم بين ميناء نوفوروسيسك الروسي وطرطوس يمكن أن يمنح دمشق قناة توريد مستقرة، ويقلل من الاعتماد على الصفقات المتقطعة والوسطاء وارتفاع تكاليف الشحن.
كما أن المشروع يتجاوز احتياجات السوق السورية. فالموقع الجغرافي لطرطوس يسمح بتحويله إلى مركز لإعادة التصدير نحو العراق والأردن، ثم إلى السعودية والكويت وقطر والبحرين. وفي حال تطوير شبكات النقل البري والمستودعات والتخليص الجمركي، تستطيع سوريا من خلاله استعادة جزء من دورها التاريخي كـ"عقدة وصل" بين البحر المتوسط والعمق العربي.
ولا شك أن هذا الدور ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد السوري، وذلك من خلال زيادة رسوم الموانئ والجمارك والنقل، وتحريك قطاع الشاحنات والمستودعات والتأمين والخدمات البحرية، وتوفير فرص عمل في المناطق الساحلية وعلى امتداد طرق التوزيع. كما يمكن أن يشجع إنشاء المركز شركات روسية أخرى على دخول السوق السورية في مجالات الصوامع والمطاحن والأسمدة والطاقة والسكك الحديدية والصناعات الثقيلة.
أما بالنسبة إلى موسكو، فإن المشروع يتيح لها الحفاظ على موطئ قدم طويل الأمد في شرق المتوسط، ولكن بكلفة سياسية أقل من الوجود العسكري الواسع، وهذا تحول يعكس إلى حد كبير "البراغماتية" الروسية. فموسكو تدرك أن العلاقة التي قامت مع النظام السابق لا يمكن نقلها تلقائيًا إلى سوريا الجديدة، وأن استمرار حضورها يحتاج إلى شرعية اقتصادية ومنافع متبادلة.
ولذلك، فإنها تحاول اليوم تقديم نفسها لدمشق باعتبارها موردًا وشريكًا في إعادة الإعمار، لا مجرد قوة تسعى إلى حماية قواعدها. وقد ظهر هذا التوجه خلال لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في موسكو في 28 كانون الثاني (يناير) هذا العام.
بالنسبة إلى دمشق، قد يكون الإبقاء على علاقات اقتصادية متوازنة مع موسكو خيارًا أكثر فائدة من إقصائها بالكامل. فسوريا تحتاج في مرحلة إعادة البناء إلى تنويع شركائها وعدم الارتهان لمحور اقتصادي واحد، سواء كان غربيًا أو خليجيًا أو تركيًا. وبالتالي، فإن وجود روسيا إلى جانب الشركات الإماراتية والتركية والغربية يمنح الحكومة السورية قدرة أوسع على التفاوض والمفاضلة بين العروض والحصول على شروط أفضل.
كما أن موسكو قادرة، بحكم علاقاتها مع قوى إقليمية ودولية متعددة، على توفير قدر من التوازن السياسي لسوريا في مواجهة الضغوط الخارجية.
وعليه، فإن المركز اللوجستي المقترح في طرطوس، سواء بدأ تشغيله في الموعد المتداول أو احتاج إلى جولة إضافية من التفاوض والتفاهم الرسمي، قد يكشف الاتجاه الذي تسلكه موسكو، وهو: تثبيت الحضور عبر الاقتصاد، وتحويل الساحل السوري إلى نقطة اتصال بين الإنتاج الروسي والأسواق العربية.
وبالنسبة إلى سوريا، فإن نجاح هذه المقاربة قد يوفر لها أكثر من مجرد شحنات قمح أو نفط. لأنه يفتح الباب أمام دمشق لإعادة بناء دورها التجاري، واستثمار موقعها الجغرافي، وتنويع علاقاتها الدولية. ولذلك، لا ينبغي النظر إلى الحضور الروسي الاقتصادي في سوريا باعتباره امتدادًا آليًا لمرحلة سابقة، بل فرصة يمكن لسوريا إعادة صياغتها بما يخدم مصالح البلدين ومرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

