تثير الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، إلى الولايات المتحدة تساؤلات تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، لتلامس مراجعة مرحلة كاملة بدأت مع الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، وما رافقه من رهانات سياسية أثبتت السنوات اللاحقة أن كثيرًا منها لم يكن قائمًا على قراءة دقيقة للواقع العراقي. ولذلك، فإن الاهتمام بهذه الزيارة لا ينبع من نتائجها المباشرة فحسب، وإنما من احتمال أن تكون مؤشرًا إلى محاولة لتصحيح جانب من الأخطاء التي طبعت السياسة الأميركية في العراق طوال العقدين الماضيين. وبالرغم من التحفظ على قدرة أي حكومة عراقية، مهما كانت نواياها، على إحداث تحول جذري في ظل التعقيدات الداخلية والإقليمية، فإن مجرد التفكير في مراجعة تلك المرحلة يبقى خطوة تستحق التوقف عندها.
لقد كان أحد أبرز أخطاء المقاربة الغربية للعراق قبل عام 2003 أنها بالغت في تقدير قدرة المعارضة العراقية على إدارة الدولة بعد إسقاط النظام. فالواقع آنذاك كان يشير إلى معارضة يغلب عليها التشتت، تتنازعها الانقسامات الفكرية والسياسية، وتفتقر في معظمها إلى مشروع وطني جامع أو إلى مؤسسات قادرة على إدارة دولة بحجم العراق. وكان الاستثناء الأبرز يتمثل في الحركة الكردية التي امتلكت إدارة قائمة ومؤسسات راسخة وتجربة عملية في الحكم ضمن إقليم كردستان، الأمر الذي منحها عناصر قوة افتقدتها بقية أطراف المعارضة.
غير أن هذا الواقع لم يحل دون رهان الولايات المتحدة والدول الغربية على مجمل المعارضة العراقية باعتبارها البديل الجاهز، وما إن انتقلت تلك القوى من موقع المعارضة إلى موقع السلطة حتى ظهرت الفجوة الواسعة بين الخطاب السياسي وبين القدرة الفعلية على إدارة الدولة وبناء مؤسساتها. وهكذا، لم يكن الإخفاق نتيجة إسقاط النظام بقدر ما كان نتيجة غياب البديل المؤسسي القادر على ملء الفراغ الذي أعقب ذلك السقوط.
ولعل هذا الدرس هو الذي يفسر جانبًا مهمًا من الحذر الغربي، ولا سيما الأميركي، في التعاطي مع المعارضة الإيرانية. فصانع القرار في الغرب لا يريد تكرار تجربة العراق، ويخشى أن يؤدي دعم أي معارضة إلى إعادة إنتاج الفوضى ذاتها. غير أن الإشكالية تكمن في أن هذا الحذر يقوم، في كثير من الأحيان، على إسقاط تجربة مختلفة على واقع مختلف تمامًا.
فإيران اليوم ليست العراق قبيل عام 2003. إذ توجد فيها معارضة منظمة تمتلك قيادة وهيكلًا تنظيميًا ورؤية سياسية وبرنامجًا معلنًا لمرحلة ما بعد التغيير، فضلاً عن استمرار نشاطها السياسي والإعلامي والتنظيمي، بالرغم من عقود من الملاحقة والضغوط. كما أن الاحتجاجات الشعبية المتكررة خلال الأعوام الأخيرة كشفت أن أزمة النظام لم تعد تقتصر على الجانب الاقتصادي، وإنما أصبحت أزمة شرعية سياسية واجتماعية تتجدد مع كل محطة مفصلية.
وإلى جانب ذلك، تبرز المعارضة الكردية الإيرانية بوصفها أحد المكونات المؤثرة في معادلة التغيير، لما تمتلكه من خبرة تنظيمية وسياسية وحضور ميداني في المناطق الكردية، وهو حضور برز بصورة واضحة خلال الاحتجاجات التي أعقبت مقتل جينا أميني. كما أن التجارب السابقة أثبتت إمكانية بناء تفاهمات سياسية بين القوى الكردية والقوى الوطنية الإيرانية الأخرى، وفي مقدمتها التعاون الذي جمع الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني مع منظمة مجاهدي خلق ضمن إطار المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، بما يعكس قابلية العمل المشترك على أساس مشروع سياسي يتجاوز الانتماءات القومية والإثنية.
ومن هنا، فإن الدرس الحقيقي الذي ينبغي أن يستخلصه الغرب من التجربة العراقية ليس الابتعاد عن دعم قوى التغيير، وإنما إعادة النظر في المعايير التي يتم على أساسها تقييم هذه القوى. فالمعيار لا ينبغي أن يكون مجرد معارضة النظام القائم، بل امتلاك مؤسسات فاعلة، وبرنامج سياسي واضح، ورؤية واقعية لإدارة المرحلة الانتقالية، وقدرة على بناء التوافق الوطني ومنع انهيار مؤسسات الدولة.
إن المقارنة بين العراق وإيران لا ينبغي أن تنحصر في طبيعة النظامين، بل ينبغي أن تمتد إلى طبيعة البديل السياسي المتاح في كل منهما. فالعراق دفع ثمن الرهان على قوى معارضة لم تمتلك، في معظمها، المقومات المؤسسية والسياسية اللازمة لإدارة مرحلة ما بعد سقوط النظام، بينما تبدو الحالة الإيرانية مختلفة من حيث وجود قوى معارضة منظمة تمتلك رؤية سياسية وبرنامجًا معلنًا للمرحلة الانتقالية. ومن هنا، فإن الدرس الأبرز الذي يفترض أن يكون الغرب قد استخلصه من التجربة العراقية لا يتمثل في العزوف عن دعم التغيير، وإنما في حسن تقدير البديل القادر على إدارة هذا التغيير. فنجاح أي تحول سياسي لا يتحقق بمجرد إسقاط النظام القائم، وإنما بوجود مشروع سياسي متكامل، ومؤسسات فاعلة، ورؤية واضحة لبناء الدولة وصون استقرارها. ويرى كثيرون أن هذه المقومات تتجسد بصورة لافتة في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، من خلال برنامجه السياسي ورؤيته المعلنة لإدارة المرحلة الانتقالية وبناء دولة تقوم على مبادئ الديمقراطية والتعددية وسيادة القانون.


