تتجاوز هذه الحرب تداعياتها وأهدافها السياسية إلى ماهيتها ذاتها، فنحن أمام نموذج فريد واستثنائي من الحروب، يقترب، من حيث تداعياته ونتائجه، من نموذج الحرب الكونية.
فالولايات المتحدة، بوصفها القوة الأحادية، تسعى إلى تثبيت هيمنتها ونفوذها العالمي من خلال السيطرة على إحدى أهم المناطق الجيوسياسية في العالم، وهي منطقة الخليج العربي، التي تُعد من أكثر مناطق العالم أهمية من الناحيتين الجيوسياسية والاقتصادية. وفي المقابل، تمثل إيران القوة الإقليمية الصاعدة التي تسعى إلى السيطرة على المنطقة ذاتها.
أما إسرائيل، فهي الطرف الثالث الذي يسعى إلى تحقيق حلم “إسرائيل الكبرى”، أولًا من خلال منع بروز أي قوة منافسة في المنطقة، وثانيًا عبر فرض سيطرته عليها.
ومن منظور دول الخليج العربي، فإنها المستهدفة بهذه الحرب، وهي التي تدفع ثمن تداعياتها. غير أن هذه الدول لم تعد دولًا صغيرة أو تابعة، بل أصبحت دولًا لها حضورها وتأثيرها وقدرتها على الردع وحماية أمنها. ولا يقتصر استهداف الحرب عليها وحدها، إذ إن المستهدف الرئيس هو المنطقة العربية بأسرها، من خلال إلغاء مفهوم الأمن العربي وتفكيك المنطقة إلى دويلات وكيانات طائفية.
إذن، نحن، كما أشرت، أمام نموذج من الحروب لم يسبق للمنطقة أن شهدته. فهي حرب غير واضحة الأهداف، ومتغيرة المسارات، مما يجعلها تتأرجح بين الحرب المحدودة والحرب الشاملة. وقد انعكس ذلك على مذكرة التفاهم التي جرى التوصل إليها، والتي وصفتها صحيفة “نيويورك تايمز” بأنها “مذكرة سوء تفاهم”.
وبالرغم من قوة الولايات المتحدة، فإن هذه الحرب لم تحقق الهدف منها. ويعود هذا الفشل، أولًا، إلى عوامل تتعلق بالولايات المتحدة نفسها، وفي مقدمتها شخصية الرئيس ترامب، وهي شخصية نرجسية وفردانية، متناقضة وغير ثابتة في ما تريده، وتتسم بالتراجع المستمر عن تصريحاتها، بما يخلق حالة من الفوضى والارتباك.
وكما أشارت الصحيفة نفسها، فقد تنازل ترامب عن كل شيء في مذكرة التفاهم بهدف خداع الإيرانيين ودفعهم إلى الدخول في المفاوضات، بينما كانت الولايات المتحدة، في الواقع، بحاجة إلى إعادة تسليح نفسها وتعزيز قدراتها في المنطقة. كما أن حالة الارتباك التي تحيط بإدارة ترامب، وما تتسم به من ارتجال وقرارات انفعالية، لم تؤد إلى تحقيق النتائج المرجوة.
لقد جعل الرئيس ترامب من استعراض القوة على الساحة الدولية السمة الأبرز لولايته الثانية، لكنه وجد في إيران خصمًا لا يبدو مستعدًا للرضوخ لإرادته. وكما قال المفكر مارك توين، فإن التاريخ لا يتكرر، لكنه يتشابه. غير أن ترامب لم يستفد من خبرات الرؤساء الذين سبقوه، وظل أسير الاعتقاد بأن أميركا تمتلك قوة لا تقارن بأي قوة أخرى، وأنها قادرة على تدمير إيران واستبدال نظامها بآخر، على غرار تجربتي اليابان وألمانيا.
ويتجلى التناقض في سياسته في عدم اعتماده على حلفائه، وفي خلقه حالات من الفوضى والتفكيك. كما أن شخصيته تتسم بنرجسية غير مسبوقة، ولم يستفد من تجارب رؤساء سابقين مثل كينيدي ونيكسون.
وفي هذا السياق، يقول حسين بنائي، الأستاذ المشارك في العلاقات الدولية في جامعة إنديانا، إن الرئيس ترامب فشل في كل شيء، وإن الحرب فرضت واقعًا سياسيًا جديدًا لم تعرفه أميركا من قبل. وتكمن مشكلة أميركا في أنها تحارب نيابة عن إسرائيل، انطلاقًا من اعتبار إيران خطرًا وجوديًا عليها.
وتتمثل إشكالية الولايات المتحدة في أنها تمتلك القوة، غير أن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة حسن توظيفها. فقد اعتمدت على القوة العسكرية المفرطة، في مقابل تراجع اهتمامها بالدبلوماسية الوقائية وبحل مشكلات المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وبالرغم من أهمية القوة العسكرية، فإن المشكلة تكمن في جعلها الأداة الأولى في السياسة، وتجاهل قضايا المنطقة وسبل حلها، والاعتقاد بأن القوة العسكرية قادرة على معالجة جميع القضايا.
ومن مظاهر هذا الفشل أيضًا أن الولايات المتحدة، بالرغم من أهمية تحالفاتها مع دول المنطقة، تجاهلت دور هذه الدول وتأثيرها، ولم تأخذ في الحسبان أنها أطراف مباشرة مستهدفة من إيران، كما لم تبحث عن صيغ شراكة تتلاءم مع هذا الدور.
وفي المقابل، فإن إيران، بالرغم من تداعيات الحرب وما ألحقته بها من دمار، وما تركته من آثار في قدراتها العسكرية والاقتصادية، ما زالت متمسكة بغرور القوة وبنزعاتها العقدية والتاريخية القديمة. فهي دولة يحكمها نظام منغلق على نفسه، لا يقبل الإصلاح أو النقد الذاتي، وتهيمن عليه عقدة الإمبراطورية لا مفهوم الدولة.
وكما قال هنري كيسنجر في كتابه “النظام العالمي”، فإن بلاد فارس لم تر نفسها، تاريخيًا، مجرد دولة، بل مركزًا للإنجاز الإنساني، وكان ملكها يُلقب بـ“شاهنشاه”، أي ملك الملوك. وتحكم إيران نزعة قومية فارسية استعلائية، تنظر إلى دول المنطقة بوصفها دولًا تابعة وهامشية، وتقوم علاقتها بها على منطق السيطرة والهيمنة.
ويتجلى ذلك بوضوح في إصرارها على تسمية الخليج بـ“الخليج الفارسي”، وفي سعيها المستمر إلى التحكم في مضيق هرمز والسيطرة عليه.
ومن أبرز ملامح الفشل السياسي الإيراني غياب التوافق والتكامل بين مؤسسات النظام السياسي، وهيمنة الحرس الثوري وسيطرته، وفرض العقلية العسكرية، ولا سيما بعد مقتل المرشد خامنئي، إلى جانب تراجع دور التيار الإصلاحي العلماني الذي قد تمثله مؤسسة الرئاسة.
ويرى قادة الحرس الثوري أن المؤسسة الدينية ليست سوى غطاء سياسي وأداة بيروقراطية لا تصلح لإدارة الدولة، وأن القوة العسكرية هي الأساس في بناء إيران الجديدة. وتوظف هذه النخبة الجديدة الحصار والعقوبات لمصلحتها، بهدف تعزيز نفوذها وفرض سيطرتها.
وتكمن مشكلة إيران في تأرجحها بين النزعات القديمة والحلم الإمبراطوري من جهة، وبين مفهوم الدولة وحالة الثورة من جهة أخرى. كما تعاني بنيتها الاجتماعية من تعدد الأقليات، وتصاعد النزعات الاحتجاجية، وهيمنة النزعة الفارسية على سائر المكونات.
ويشهد النظام الإيراني صراعًا بين أجنحة السلطة قد يتطور إلى صراع مفتوح، وهو صراع يدور حول النفوذ والمصالح السياسية والاقتصادية. غير أن هذه الأجنحة تلتقي عند العداء لأميركا وإسرائيل، وتتبنى شعارات تمنحها الشرعية.
وهنا يبرز السؤال: من يتخذ القرار بعد مقتل المرشد؟ ففي عهده، كان قادرًا على تحقيق قدر من التوازن بين مؤسسات النظام. وفي هذا السياق، تتمثل إحدى أبرز نقاط الضعف في آلية صنع القرار السياسي، وهي نقطة تفسر حالة الفشل السياسي التي تعاني منها إيران.
فإيران تحكمها عقلية عسكرية غير معنية بالمتغيرات والتحولات التي تشهدها بنية القوة في المنطقة. ولعل من أبرز نقاط الضعف التي تعانيها غياب الثقة في قراراتها وسياساتها، منذ تبنيها مبدأ تصدير الثورة، مرورًا بحرب السنوات السبع مع العراق، وصولًا إلى الحرب الحالية واستهداف دول الخليج العربي والأردن، بالرغم من معارضة هذه الدول للحرب ودعوتها المستمرة إلى الحوار السياسي.
وقد جعلت هذه السياسات إيران دولة غير مقبولة في محيطها، وزرعت الخوف وعدم الثقة وعدم الاستقرار. كما أنها ما زالت أسيرة شعورها بالتفوق الثقافي والحضاري، وتعيش على أمجاد التاريخ أكثر مما تتفاعل مع الواقع القائم.
وكما يقول الخبير في الشأن الإيراني كريم سجادبور، من مؤسسة كارنيغي للسلام، فقد تحولت إيران إلى نظام أشبه بالعصابات، إذ ترى أن التنازلات لا تُنتزع إلا بالإكراه، من خلال مهاجمة الجيران، وتهديد مضيق هرمز، ورفع أسعار النفط.
ويبقى، أخيرًا، السؤال الأهم: كيف ستتعامل دول المنطقة مع هذا الفشل السياسي، وفي إطار أي منظومة أمنية؟


