في لبنان، لا يحتاج المرء دائماً إلى استطلاعات رأي أو تحليلات معقدة لمعرفة إن كان المسؤول يسير في الاتجاه الصحيح. أحياناً، يكفي أن ينظر إلى هوية أخصامه الذين يهاجمونه، وإلى الأسباب التي تدفعهم إلى إطلاق النار السياسي عليه واللجوء إلى تشويهه معنويًا.
وعليه، فإن الحملة التي يتعرض لها رئيس الجمهورية جوزاف عون على خلفية زيارته إلى واشنطن، وخياره التفاوضي، وتمسكه بحصر السلاح بيد الدولة، لا يجب أن تُقلقه. على العكس تماماً، إنها دليلٌ قاطع على أنه بدأ يقترب من المرحلة التي لا يريد حزب الله وحلفاؤه أن تصل إليها الدولة اللبنانية.
زيارة عون إلى البيت الأبيض لا تندرج في إطار العلاقات العامة واتخاذ الصور التذكارية مع الرئيس دونالد ترامب. إنها أول زيارة لرئيس لبناني إلى البيت الأبيض منذ ما يقارب عشرين عاماً، إذ تتصادف مع طرح لبنان لملف الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، ودعم الجيش، وحصر السلاح، واستعادة الدولة لقرارها السيادي. كما تأتي بعد ابرام اتفاق إطاري يتضمن انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً، وانتشار الجيش اللبناني، ومعالجة سلاح حزب الله.
لهذا السبب تحديداً، تحولت الزيارة إلى هدف لحملة تخوين ممنهجة من جماعات امتهنت الاغتيال السياسي وأبدعت في تدمير صورة الدولة وقتل أركانها.
مشكلة حزب الله ليست زيارة جوزاف عون لواشنطن. قيادات الحزب وحلفاؤه زاروا عواصم العالم عندما اقتضت حاجتهم، ولم يروا في الأمر تنازلاً عن السيادة. المشكلة الحقيقية هي أن رئيس الجمهورية ذهب إلى واشنطن ليفاوض باسم لبنان، لا باسم محور إيران، وأن الورقة اللبنانية أصبحت بيد رئيس الدولة اللبنانية، بدلاً من أن تكون موضوعة على طاولة مفاوضات إيرانية في إسلام آباد أو مسقط أو أي عاصمة أخرى. هذا هو جوهر المعركة.
حزب الله يريد أن يبقى لبنان أداة إقليمية، والجنوب صندوق بريد؛ ويريد أن يبقى قرار الحرب والسلم ورقة تستخدمها طهران عندما تفاوض واشنطن، ثم تحرقها عندما تريد تحسين شروطها. أما جوزاف عون، فعليه أن يقول بوضوح إن لبنان ليس ورقة في يد أحد، وإن اللبنانيين لم يفوضوا الحرس الثوري الإيراني بالتفاوض عنهم أو بتحديد مستقبلهم.
لذلك، عندما تهاجم أبواق الحزب زيارة عون وتصفها بالتنازل أو الارتهان، فهذه ليست إدانة للزيارة، بل شهادة على أهميتها. حزب الله أعلن رفضه للمفاوضات المباشرة وللمسار الهادف إلى نزع سلاحه، وتحول عون منذ تمسكه بهذا الخيار إلى هدف لانتقادات الحزب ومؤيديه. وقد وصل الخطاب التحريضي في بعض وسائل إعلام الممانعة إلى تقديم الزيارة نفسها كدليل على «انهيار» الدولة وتخليها عن السيادة. في واقع الحال، العكس هو الصحيح.
السيادة ليست أن يجلس مسؤول إيراني في بيروت ويعطي اللبنانيين دروساً في المقاومة. السيادة ليست أن يمتلك حزب عقائدي ترسانة عسكرية تفوق قدرة الدولة، ثم يقرر منفرداً متى يفتح الجبهة ومتى يغلقها. والسيادة ليست أن يُدمّر الجنوب مرة بعد مرة، ثم يُطلب من اللبنانيين أن يشكروا من تسبب في تدميره.
السيادة هي أن تفاوض الدولة اللبنانية عن نفسها، وأن ينتشر جيشها على كامل أراضيها، وأن يصبح قرار الحرب والسلم محصورًا بقصر بعبدا ومجلس الوزراء، وليس حكرًا على الضاحية أو طهران.
الأمر نفسه ينطبق على نبيه بري وحلفائه. بري شريك سياسي ورئيس لمجلس النواب، وعلى الدولة التعامل معه وفق هذا الموقع الدستوري. لكن الشراكة لا تعني حق النقض، ولا تعني أن يتحول رئيس المجلس إلى عراب للدولة العميقة التي تحمي سلاح حزب الله وتعطل قيام الدولة الرسمية.
على بري أن يختار: إما أن يتصرف كرئيس لمجلس النواب أقسم على احترام الدستور، وإما أن يستمر في تأدية دور الوسيط بين الدولة ودويلة السلاح. لا يمكنه أن يكون في الوقت نفسه رئيساً لإحدى أهم مؤسسات الجمهورية، وحارساً لنظام سياسي يمنع الجمهورية من استعادة قرارها.
جوزاف عون لا يحتاج إلى عزل بري أو إلى فتح اشتباك داخلي مسلح. المطلوب هو مواجهته سياسياً ودستورياً، وإجباره على التصرف كشريك في الدولة لا كمضارب عليها. فالمعركة ليست مع شخص نبيه بري فقط، بل مع فكرة نبيه بري: فكرة أن الدولة الرسمية يجب أن تبقى ضعيفة، وأن الدولة العميقة هي التي تقرر حدود الممكن والممنوع.
بطبيعة الحال، لقاء ترامب لن ينتج حلاً سحرياً. لا توجد حبة دواء تشفي هذا الجسم اللبناني العليل بين ليلة وضحاها. المطلوب من عون أن يقدم خريطة طريق واضحة، بمراحل ومهل زمنية، لنشر الجيش وحصر السلاح وتنفيذ الاتفاق، وأن يطلب دعماً مالياً وعسكرياً وسياسياً حقيقياً للمؤسسة العسكرية.
على عون أيضاً ألا يصل إلى واشنطن كرئيس يطلب الشفقة على لبنان. ترامب لا يتعامل بهذه الطريقة. هو يريد شريكاً قادراً على تقديم التزامات واضحة وتنفيذها. وبالتالي، يجب أن تكون رسالة عون بسيطة: أعطونا دعماً سياسياً للضغط من أجل الانسحاب الإسرائيلي، وادعموا الجيش اللبناني، ونحن مستعدون لتحمل مسؤولية بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
لكن الامتحان الحقيقي يبدأ بعد العودة من واشنطن. هل سيحوّل الرئيس الكلام السيادي إلى قرارات؟ هل سيحمي الجيش عندما يبدأ بتنفيذ مهمته؟ هل سيواجه التعطيل داخل مؤسسات الدولة؟ وهل سيرفض إعادة تسليم الورقة اللبنانية إلى إيران عبر حزب الله؟
هنا يصبح الهجوم عليه مفهوماً، بل متوقعاً.
على جوزاف عون ألا يخاف عندما يهاجمه حزب الله ونبيه بري وحلفاؤهما. عليه أن يقلق يوم يبدأ هؤلاء بالتصفيق له. لأن تأييد منظومة السلاح والتعطيل له سيعني، على الأرجح، أنه توقف عن تهديد مصالحها، وأنه عاد إلى الطريق الذي سار عليه كثيرون قبله: طريق التسويات التي تحمي الدويلة وتترك الدولة تموت ببطء.
أما استمرار الهجوم عليه، فيعني أنه ما زال يسير في الاتجاه الصحيح. وفي لبنان اليوم، قد تكون هذه أهم شهادة حسن سلوك يمكن أن يحصل عليها رئيس للجمهورية.

