: آخر تحديث

لستُ إسبانيًا لأن أجدادي غابوا عن كتاب المنتصرين

4
4
5

في الليلة التي احتفلت فيها إسبانيا بانتصارها الكروي على الأرجنتين، ظهرت أمام العالم صورة بلد يجمع مواطنين من خلفيات متعددة تحت رمز واحد. لم يكن ذلك المشهد الرياضي دليلًا على طبيعة التاريخ الإسباني، لكنه يذكّر بحقيقة أوسع: أن الأمم الحديثة لا تُبنى عادةً من عنصر واحد، بل من طبقات متراكمة صنعتها قرون من التفاعل والتحول.

ومن هنا يعود السؤال الذي حمله الكاتب الإسباني الكبير خوان غويتيسولو في كتاباته عن إسبانيا والمغرب والأندلس: كيف تنظر أمة إلى ماضيها عندما يكون هذا الماضي أكثر تعقيدًا من الرواية المختصرة التي تُقدَّم عنها؟ فلم يرَ غويتيسولو الأندلس مجرد مرحلة سياسية انتهت بسقوط غرناطة، بل تعامل معها بوصفها جزءًا من الذاكرة الثقافية الإسبانية، وعنصرًا لا يمكن فهم تاريخ البلاد كاملًا من دونه.

ومن هذا المعنى يمكن فهم العبارة رمزيًا: لستُ إسبانيًا لأن أجدادي غابوا عن كتاب المنتصرين. لا تعني هذه العبارة أن الأندلس اختفت من الذاكرة الإسبانية، فهي حاضرة في المعالم والدراسات والثقافة، بل تطرح سؤالًا أعمق: من يملك حق ترتيب طبقات التاريخ؟ ومن يقرر أي الفصول يكون في المقدمة وأيها يبقى في الهامش؟

ليست المسألة رفضًا لإسبانيا، ولا دعوة إلى إعادة الماضي، بل اعتراض على اختزال تاريخ طويل في لحظة واحدة، وعلى التعامل مع بعض مراحله باعتبارها هامشًا لا عنصرًا من عناصر التكوين الحضاري.

لقد تشكلت إسبانيا الحديثة في نهاية القرن الخامس عشر مع اتحاد تاجي قشتالة وأراغون بعد زواج فرديناند الثاني وإيزابيلا الأولى، ثم جاء سقوط غرناطة عام 1492 ليضع نهاية الحكم الإسلامي في الأندلس. لكن نهاية دولة لا تعني نهاية كل ما أنتجته، فالتاريخ لا يعمل بمنطق القطع الكامل، والثقافات تستمر أحيانًا بعد زوال القوى السياسية التي حملتها.

فالأندلس لم تكن مجرد سلطة سياسية، بل كانت تجربة حضارية تركت بصمة واضحة في إسبانيا. وهذا الميراث ليس غائبًا عن الذاكرة الإسبانية، فالمعالم التاريخية والدراسات الأكاديمية والمجال السياحي نفسه يحتفي بجوانب واسعة منه. لكن السؤال الذي أثاره غويتيسولو لم يكن: هل توجد الأندلس في الذاكرة الإسبانية؟ بل: كيف تُفهم هذه الأندلس داخل صورة إسبانيا عن نفسها؟

فطريقة تقديم الماضي ليست أمرًا محايدًا دائمًا، إذ يمكن للمرحلة التاريخية نفسها أن تُعرض بوصفها مجرد صراع سياسي انتهى بسقوط غرناطة، أو بوصفها أيضًا فترة طويلة من التفاعل الحضاري تركت حضورًا مستمرًا في اللغة والعمران والفكر. والفرق بين القراءتين لا يتعلق بوجود الحدث التاريخي، بل بالمكانة التي تُمنح لها داخل الوعي الجماعي.

وتظهر هذه المكانة في اللغة نفسها. فالإسبانية اليومية تحمل مئات المفردات العربية، فكلمات مثل aceite (الزيت)، وazúcar (السكر)، وalcalde (القاضي أو رئيس البلدية)، وalmohada (الوسادة)، ليست مجرد بقايا لغوية، بل شواهد على تداخل تاريخي عميق بين ثقافات عاشت قرونًا في المكان نفسه.

وفي العمارة أيضًا، بقي الحضور واضحًا في معالم مثل قصر الحمراء في غرناطة وجامع قرطبة، حيث تحولت معالم الأندلس إلى جزء من المشهد الثقافي الإسباني والعالمي. فالحضارات لا تختفي عندما تتغير الدول، فهي تستمر في المدن واللغات والفنون.

لكن الدفاع عن الميراث الأندلسي لا يعني تحويل الأندلس إلى صورة مثالية خالية من التناقضات. فقد كانت زمنًا للصراعات السياسية والانقسامات الداخلية، كما كانت زمنًا للعلم والفلسفة والشعر. عرفت فترات من التبادل الثقافي، لكنها عرفت أيضًا توترات مرتبطة بالدين والسياسة والسلطة. وقيمتها لا تأتي من كونها تجربة كاملة، بل من كونها تجربة إنسانية معقدة أنتجت إنجازات حضارية مؤثرة.

قد يقول قائل: لماذا التركيز على الجانب الإسلامي من تاريخ إسبانيا؟ أليست كل الأمم نتاج مكونات متعددة؟ وهذا اعتراض مشروع. فإسبانيا لم تُصنع من الأندلس وحدها، كما لم تُصنع من الرومان أو القوط أو غيرهم وحدهم. لكن الاعتراف بمكوّن تاريخي لا يعني إلغاء بقية المكونات، ففهم الهوية لا يقوم على اختيار أصل واحد، بل على قراءة الطبقات التي تراكمت عبر الزمن.

وهنا يظهر التحدي الحقيقي أمام الذاكرة الوطنية: كيف تحافظ الأمة على اعتزازها بتاريخها دون أن تحوله إلى رواية أحادية؟ فالفخر لا يحتاج إلى النسيان، والاعتراف لا يعني الإدانة. يمكن للإنسان أن يحب وطنه، وفي الوقت نفسه يطالب بقراءة أكثر شمولًا لتاريخه.

وهذا هو جوهر موقف غويتيسولو: لم يكن السؤال عنده كيف تعود الأندلس، بل كيف تفهم إسبانيا نفسها بصورة أكثر اكتمالًا. فالهوية التي تقرأ تاريخها بكل طبقاته لا تصبح أضعف، بل تصبح أكثر وعيًا بتكوينها.

إن استعادة الأندلس في الذاكرة الإسبانية ليست محاولة لإعادة الماضي، بل محاولة لفهم الحاضر. فإسبانيا، مثل كل الأمم الكبرى، ليست قصة ذات بداية واحدة ونهاية واحدة، بل مسار طويل شاركت في صنعه شعوب ولغات وتجارب مختلفة. وقوة الأمم لا تكمن في امتلاك تاريخ بسيط خالٍ من التناقضات، بل في قدرتها على مواجهته وفهمه، فالتاريخ لا يبقى ملكًا لمن امتلك القوة في لحظة معينة فقط، بل تعيد الأجيال اللاحقة قراءته بحثًا عن صورة أكثر اكتمالًا للإنسان والمكان والهوية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.