هي مجرد تساؤلات تلح أحيانًا، وأزعم أنها مشروعة، وأزعم أيضًا أنها تعتمل سرًا محبوسةً في صدور وأدمغة كثيرة. لماذا هن جميلات، ساكنات الشمال؟ ثم لماذا يتمتعن بهذا القدر من الحيوية والصحة والنضارة؟ ولماذا وجوههن دائمًا ما تطفح بشرًا وسعادةً وأنوثةً؟ ثم لماذا هن كاملات عقل، سنتجنب موضوع الدين، يعملن وينجبن وينتجن ويبحثن ويبتكرن ويقدن الطائرات ويرتدن الملاعب وسفن الفضاء ويتبوأن أعلى المناصب، ولا يزلن جميلات؟ ولماذا، ولماذا؟ ثم يأتي التساؤل المحير: لماذا يعاقبنا الخالق، نحن أهل الجنوب، بهذا الكم من دمامة الوجوه وعبوسها، إلا من رحمهم ربهم؟ ولولا تأثير قهري لبعض الهرمونات على طوبوغرافيا الأجساد لضاعت بقية المعالم، لكن تكفل بطمس ما تبقى منها فريق متخصص محا كل التضاريس التي قد تشي بشبهة أنوثة، بدءًا من تغليفها جيدًا، وحتى قيام تباب تخزين الشحوم ببقية المهمة بنجاح. ويومًا كدت أصدم فتاة بالسيارة بسبب ارتباكي في اتجاه سيرها، حيث لم أتبين هل هي مقبلة أم مدبرة، فلا معالم تشي بالاتجاهات على الإطلاق.
ولا تقتصر الدمامة على دمامة الوجوه، فتلك حكمة إلهية لا حيلة لنا فيها، لكنها تنسحب على مجالات كثيرة في حياة المجتمعات المتخلفة: دمامة النفوس، ودمامة العقول، ودمامة الفكر، ودمامة الثقافة، ودمامة السلوك، والأخيرة هي نتاج لكل ما سبق. فالشوارع مملوءة دخانًا، وحبلى بعنف دموي، والقمامة على الأرصفة، ومظاهر التدين الزائف، والتعصب المقيت، والعنصرية القبيحة، ومكبرات الصوت التي تُصنع خصيصًا لأجلنا، والتحرش، والتنمر، والتسول، والغش، والفساد، كل ذلك هو نتاج فقه الدمامة.
ويلح على الصدور والعقول تساؤل مر: لماذا شوارعهم نظيفة؟ لا زلنا نتحدث عن سكان وساكنات الشمال، وقد قيض لي يومًا أن أرى الحضر والريف في بعض دول الشمال، ولم يبهرني شيء أكثر من الهدوء والنظافة. شوارع نظيفة، وبيوت نظيفة، وبشر نظيفون، ونظام عسكري صارم للتخلص من أي مخلفات صلبة أو سائلة، لذا يعيش الناس تحت مظلة فقه الجمال، الجمال كقيمة سامية عليا يتعاطاه الإنسان، فيشكل وجدانه، ويرقق أحاسيسه، وينزع العنف، كل أنواع العنف، من سلوكه.
تساؤل أكثر مرارة: ما مصير هذه المجتمعات التي تعادي هذه القيمة السامية؟ بالطبع، مصيرها القبح في كل مناحي الحياة، قبح اجتماعي، وقبح سياسي، وقبح تعليمي، وقبح بيئي، وقبح صحي. فالجمال لا ينفصل ولا يتجزأ، الجمال غلاف وعنوان لكل الأنشطة الإنسانية، والقبح أيضًا، عندما يغلب، يصبح سمة غالبة وعنوانًا سائدًا لكل نشاط، وله أدواته الفاعلة: الغش، والدلاسة، والتزوير، والنصب، والاحتيال، والتواكل. هذا هو المصير المحتوم لمجتمعات نحّت جانبًا فقه الجمال، واعتمدت فقه الدمامة أو فقه القبح كنظام مستدام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

