منذ سنوات، واليمن الشقيق يقف عند مفترق طريقين: طريق الدولة والاستقرار والتنمية، وطريق الميليشيا والفوضى والارتهان للخارج. وبين هذين الطريقين، دفع الشعب اليمني أثمانًا باهظة من أمنه واقتصاده ومستقبل أجياله، فيما ظل الأمل قائمًا بأن يستعيد اليمن مكانته الطبيعية، دولةً عربيةً موحدةً وآمنةً، تنعم بالسلام وتشارك أشقاءها صناعة المستقبل.
وخلال الأيام الماضية، ومع عودة التصعيد الحوثي بشأن مطار صنعاء وتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، جاءت كلمة فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد محمد العليمي، لتضع النقاط على الحروف، ولتقدم أمام اليمنيين والعالم رواية دولة تبحث عن السلام في مواجهة ميليشيا لا تزال ترى في الأزمات وسيلتها الوحيدة للبقاء.
لقد كانت كلمة الرئيس واضحة وحازمة، وهو يستعرض سجل الميليشيا منذ انقلابها على الدولة والتوافق الوطني، مؤكدًا أنها لم تبنِ مدرسة، ولم تؤسس مستشفى، ولم توفر أمنًا أو استقرارًا للمواطن، بل أرهقت اليمن بالحروب والأزمات والانقسامات، وأهدرت موارده وثرواته، وصادرت فرص الحياة الكريمة لملايين اليمنيين.
وفي المقابل، شدد الرئيس العليمي على أن الدولة اليمنية لم تغلق يومًا أبواب السلام، بل قدمت المبادرات تلو المبادرات، وتعاملت بإيجابية مع الجهود الإنسانية والإقليمية والدولية، وسعت إلى تشغيل مطار صنعاء بصورة قانونية وآمنة عبر الناقل الوطني، بما يضمن خدمة المواطنين ويحفظ سيادة الدولة في الوقت نفسه.
ولعل من أبرز ما ورد في كلمته تأكيده أن المشكلة لم تكن يومًا في رغبة الحكومة الشرعية في تخفيف معاناة المواطنين، وإنما في إصرار الميليشيا على توظيف معاناة اليمنيين لخدمة أجنداتها السياسية والعسكرية، ومحاولاتها المستمرة لفرض وقائع تتجاوز مؤسسات الدولة وسيادتها، وربط اليمن بمشروعات خارجية لا تخدم مصالح شعبه.
كما حملت الكلمة رسالة مهمة إلى أبناء اليمن كافة، وإلى القبائل والقوى الوطنية والشباب والمرأة، داعيًا إلى الالتفاف حول مشروع الدولة والجمهورية، ودعم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في مسؤوليتها الوطنية لحماية اليمن واستعادة مؤسساته وإنهاء الانقلاب.
ومن الجوانب المهمة التي استوقفت المتابعين إعلان الرئيس العمل على استئناف تصدير النفط، وتوجيه عائداته لخدمة الشعب اليمني، وصرف الرواتب، وتحسين الخدمات، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، في رسالة تؤكد أن الدولة تنشغل ببناء المستقبل وتحسين حياة المواطنين، بينما تنشغل الميليشيا بإنتاج المزيد من الأزمات.
وفي خضم هذه التطورات، جاء بيان قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية في اليمن ليؤكد بوضوح أن أمن الملاحة الدولية في باب المندب والبحر الأحمر "خط أحمر"، وأن التهديدات الحوثية للسفن التجارية تمثل انتهاكًا للقانون الدولي وأعمالًا تندرج ضمن القرصنة البحرية. كما كشف البيان، بالأرقام، زيف الادعاءات الحوثية بشأن الحصار، موضحًا دخول مئات السفن التجارية إلى الموانئ اليمنية محملة بالغذاء والوقود والبضائع المختلفة، بما يدحض محاولات التضليل التي اعتادت عليها الميليشيا.
ومن الإنصاف التأكيد أن المملكة العربية السعودية كانت وما زالت الطرف الأكثر حرصًا على إنهاء الأزمة اليمنية. فمنذ إعلان مبادرة السلام عام 2021، واصلت المملكة جهودها السياسية والإنسانية والدبلوماسية، وعملت مع الأشقاء في سلطنة عُمان، ومع الأمم المتحدة وكافة الأطراف اليمنية، من أجل الوصول إلى حل سياسي شامل ومستدام. كما دعمت كل الخطوات الرامية إلى تخفيف معاناة الشعب اليمني، من فتح الطرق وزيادة الرحلات الجوية وتثبيت وقف إطلاق النار، وصولًا إلى دعم الاقتصاد اليمني ومؤسساته الشرعية.
لقد أثبتت المملكة، بقيادتها، قولًا وفعلًا، أن هدفها لم يكن سوى أمن اليمن واستقراره ورفع المعاناة عن شعبه، بينما أثبتت الأحداث المتلاحقة أن الميليشيا لا تزال تراهن على التصعيد وخلق الأزمات وتهديد أمن المنطقة والممرات البحرية الدولية.
واليوم، وبعد كل هذه السنوات، تبدو الحقيقة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: فاليمن لا يحتاج إلى مزيد من السلاح والشعارات، بل يحتاج إلى دولة قوية، ومؤسسات فاعلة، واقتصاد متعافٍ، ومستقبل يليق بأبنائه. كما أن المجتمع الدولي مطالب بأن يقف بوضوح إلى جانب الشرعية اليمنية ومؤسسات الدولة، وأن يتعامل بحزم مع كل من يهدد أمن الملاحة الدولية واستقرار المنطقة.
ويبقى الأمل قائمًا بأن يستعيد اليمن السعيد عافيته، وأن تعود صنعاء، كما كانت وستبقى، عاصمة للدولة والجمهورية والتاريخ والحضارة، لا منصة للمغامرات والارتهان للخارج.
وختامًا
لا بد من صنعاء، وإن طال السفر.

