أصعب الهزائم هي التي تباغتنا عند الخطوة الأخيرة، في اللحظة التي نظن فيها أن الحلم بات قابلًا للمس، قبل أن ينشق الطريق فجأة عن غياب كامل. هذا الانكسار يترك ندبة في أعمق نقطة من الروح، وخزة لا تبرأ بالزمن، لأنها تسلبنا المعنى وتجعلنا نعيد النظر في جدوى المحاولة.
تجسّد هذا الوجع الإنساني بكامل تفاصيله حين سلّطت كاميرا النقل المباشر عدساتها على بكاء ليونيل ميسي بعد خسارة الأرجنتين أمام إسبانيا، حيث تحوّل المشهد إلى لوحة تراجيدية تلخّص قصة الإنسان الذي بذل كل شيء، وتحدى عامل السن ليحمل أحلام بلاده إلى المحطة الأخيرة. وهناك، على أعتاب النهاية، أفلتت منه الكأس.
كان وجهه المغسول بالدموع يبدو وحيدًا، وخلفه صخب الاحتفالات والمجسّم الذهبي لحلمه الأثير، الذي غدا فجأة بعيدًا كالسراب. كان مستسلمًا لصمت كامل، ووجع يضغط على صدره، دون أن يوجّه لومًا لرفاقه أو عتابًا للحظ. كأنه أدرك في تلك البرهة أن بعض الأحزان أكبر من أي كلام، وأن هذه الغصة سترافقه دائمًا، تذكّره بأن أروع الأحلام قد تتبخر ونحن على وشك احتضانها.
وفي المقابل، يضعنا التاريخ أمام بكاء مختلف تمامًا، وهو بكاء كريستيانو رونالدو لحظة خروج بلاده، ليتجلى الفارق كبيرًا بين حزن نقي على ضياع الحلم الجماعي، وحزن يرتد نحو الذات ومجدها الفردي. فبينما كان ميسي يبكي حلمًا شاعريًا ذاب في اللحظة الأخيرة بعد أداء ملهم، كان رونالدو يبكي عجز جسده عن استعادة بريق الشباب ورفضه التصالح مع خريف العمر، ليصبح بكاؤه مرثاة شخصية لزمن ولّى، وسطوة لم تعد قادرة على تغيير الواقع.
وهكذا هي الحياة، تمنحنا بعض أمانينا طيّعة، وتسرق منا بعضها الآخر في الرمق الأخير، ولا يتبقى للإنسان في مواجهة هذا السقوط سوى الإصرار على النهوض مجددًا، متسلحًا برؤية المسرحي الكبير سعد الله ونوّس حين قال، وهو على سرير المرض الأخير: "إننا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ"، لتظل الخسارة مجرد محطة عابرة تمنح البدايات الجديدة معناها الحقيقي.


