: آخر تحديث

مساكين أهل الكذب

1
1
1

لم تعد الصداقة، في هذا الزمن المثقل بالتحولات والمصالح، تلك العلاقة الإنسانية التي تنشأ على المودّة الصافية، وتتغذّى من الثقة والوفاء والاحترام المتبادل. لقد فقدت صداقات كثيرة معناها الحقيقي، وتحوّلت إلى علاقات آنية وهشّة، يفرضها المكان أو الظرف أو الحاجة، ثم تنتهي بمجرد أن يتغيّر أحد هذه العناصر، أو تتوقف المنفعة التي قامت عليها.

كثيرًا ما نجد أنفسنا داخل علاقات لم نخترها بإرادتنا الكاملة، ولم نقترب منها عن قناعة راسخة، بل دفعنا إليها واقع الحياة اليومية. قد تكون البداية جيرة عابرة، أو ما يسمّيه المثل الشعبي "جيرة حجرة"، أو لقاءً عفويًا في شارع، أو حديقة، أو مدرسة، أو جامعة، أو مناسبة اجتماعية، أو حفلة عرس. يبدأ الحديث عابرًا، وتتكرر اللقاءات، ثم يعتقد الطرفان، أو يتوهمان، أن شيئًا يشبه الصداقة قد نشأ بينهما.

غير أن اللقاء المتكرّر لا يصنع بالضرورة صديقًا، كما أن كثرة الكلام لا تعني عمق العلاقة. فبعض الصداقات تولد من المصادفة، وتظل أسيرة المصادفة، لا تملك جذورًا تحفظها من أول ريح. تبدو في بدايتها لامعة ومليئة بالمجاملات والاهتمام، لكنها تخفي تحت سطحها بناءً هشًا، سرعان ما يتداعى عند أول اختبار حقيقي.

تتجمّل العلاقة مع مرور الوقت، ويبدأ كل طرف في إظهار أفضل ما لديه. تُتبادل الكلمات اللطيفة، وتكثر عبارات الود، وربما تُروى الأسرار وتُقدَّم النصائح، فيظن الإنسان أنه عثر أخيرًا على صديق يمكن الركون إليه. لكن اللحظة الكاشفة تأتي عندما تتحول المودة إلى مطالبة، والاهتمام إلى عبء، والصداقة إلى قائمة من الالتزامات التي لا تنتهي.

تبدأ المسألة بطلب بسيط، مساعدة عابرة، أو دعم معنوي، أو مبلغ مالي محدود. ولأن الإنسان يحرص على الوفاء لمن يعتبره صديقًا، فإنه يقدم ما يستطيع، وربما يتجاوز قدرته أحيانًا، ظنًا منه أن الوقوف إلى جانب الصديق واجب أخلاقي وإنساني. لكن المشكلة تبدأ حين لا يُنظر إلى هذا العطاء على أنه معروف يستحق التقدير، بل يتحول تدريجيًا إلى حق مكتسب، وإلى التزام دائم على الطرف الآخر أن يؤديه كلما طُلب منه ذلك.

بعد المرة الأولى تأتي الثانية، ثم الثالثة، وتتسع دائرة الطلبات من الضروري إلى الكمالي، ومن علاج أزمة حقيقية إلى تمويل سفر أو سياحة أو رغبات شخصية. وحين يعتذر الإنسان، لا لأنه بخيل أو متخلٍّ عن صديقه، بل لأنه عاجز أو غير مقتنع، أو لأنه قدّم ما يكفي، تتغير ملامح العلاقة فجأة. تختفي الكلمات الناعمة، ويسقط قناع المحبّة، وتبدأ الاتهامات والشتائم والتقليل من القيمة، وكأن كل ما قُدِّم في السابق لم يكن له وجود.

هنا يكتشف الإنسان، بألم، أنه لم يكن صديقًا في نظر الطرف الآخر، بل كان فرصة، أو مصدرًا للدعم، أو بابًا مفتوحًا لقضاء الحاجات. كان محترمًا بقدر ما يمنح، ومحبوبًا بقدر ما يدفع، ومقبولًا ما دام لا يقول: لا. أما حين يتوقف عن العطاء، فإنه يُطرد بسهولة من قائمة الصداقة، وتبدأ عملية "الغربلة" التي لا تكشف ضعف العلاقة فحسب، بل تكشف أيضًا حقيقة النفوس.

إن أكثر ما يوجع في الصداقات المزيّفة ليس انتهاء العلاقة ذاتها، بل اكتشاف أن المشاعر التي وثقنا بها لم تكن حقيقية، وأن الكلمات التي صدقناها لم تكن سوى وسيلة للوصول إلى منفعة. يشعر الإنسان عندها أنه لم يخسر صديقًا فقط، بل خسر جزءًا من ثقته بالآخرين، وربما بدأ يراجع كل علاقاته القديمة، متسائلًا: من يحبني لذاتي، ومن يقترب مني لما أملكه أو لما أستطيع أن أقدمه؟

هذه التجارب تترك ندوبًا نفسية عميقة. تجعل الإنسان أكثر حذرًا، وأقل قدرة على البوح، وقد تدفعه إلى العزلة أو الشك الدائم. غير أن الخطأ ليس في الصداقة نفسها، بل في إساءة استخدامها وتحويلها إلى سوق للمصالح. فالصديق الحقيقي لا يقيس مكانتك بحجم ما تقدمه له، ولا ينسى معروفك عند أول اعتذار، ولا يحوّل حاجته إلى سكين يهدّد بها العلاقة.

الصداقة الحقيقية ليست حسابًا مصرفيًا، ولا عقدًا لتبادل المنافع، ولا بابًا مفتوحًا للابتزاز العاطفي والمادي. إنها قدرة على البقاء في أوقات العجز كما في أوقات القدرة، وعلى احترام حدود الآخر، وتقدير ظروفه، وحفظ كرامته. أما العلاقة التي تبدأ بالمصلحة وتنتهي بانتهائها، فلا تستحق اسم الصداقة، مهما طال زمنها، وكثرت لقاءاتها، وتجمّلت عباراتها.

فأي علاقة هذه التي ترفع الإنسان ما دام يدفع، وتهينه حين يعتذر؟ وأي صداقة تلك التي لا ترى في الصديق إلا يدًا تمتد بالعطاء؟ وأي محبّة هذه التي تنهار أمام أول كلمة "لا"؟

إنها ليست صداقة، بل مصلحة ارتدت ثياب المودة، وحين انتهت المصلحة، سقطت الثياب وظهرت الحقيقة. وبعد ما ذُكر، هل من الأجدر أن نطلق عليهم تسمية "مساكين أهل الكذب"، لا سيّما أن هذه الصفة باتت تُطلق على كثير من الصداقات المزيّفة، التي باتت مثالًا لشماعة يُعلَّق عليها كل أخطائنا التي نرتكبها في يومياتنا التي نعيشها، ونبرّر، في كثير من الأحيان، لأنفسنا ما نرتكبه من أخطاء تكون، في أغلبها، مقصودة وحاضرة مع الأصدقاء، أو مدّعي الصداقة، الذين يكونون، في الغالب، مزيّفين، يرمون إلى هدف ما، وبعدها تراهم يتخلّون عنك، وكأن تلك العلاقة التي استمرت سنوات تُطوى كحاجب العين، أو كستارة موضوعة على شباك.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.