في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله. إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا. لذلك، لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال المرض، والأمر نفسه يحدث في السياسة.
فالاحتجاجات الشعبية، والانقسامات الحادة، والخطابات المتشنجة، والأزمات الاقتصادية، وتراجع الثقة بالمؤسسات، ليست في كثير من الأحيان سوى "حمى سياسية". إنها ارتفاع في حرارة الجسد السياسي، لا المرض نفسه. غير أن بعض الحكومات ترتكب الخطأ ذاته الذي يرتكبه مريض يكتفي بتناول خافض للحرارة، فيظن أن العلاج قد اكتمل، بينما يواصل المرض تمدده بصمت.
حين ترتفع حرارة الدولة، يبدأ المسؤولون غالبًا بمعالجة الأعراض لا الأسباب. يغيرون وزيرًا، أو يعلنون حزمة إصلاحات عاجلة، أو يطلقون وعودًا جديدة، أو يفرضون إجراءات أمنية أكثر صرامة. قد تنخفض حرارة المشهد مؤقتًا، لكن سرعان ما تعود أشد من ذي قبل، لأن البؤرة الحقيقية بقيت في مكانها.
فالفساد المزمن، وضعف العدالة، واحتكار القرار، وتآكل المؤسسات، وسوء توزيع الثروة، ليست أعراضًا، بل هي الميكروبات التي ترفع حرارة السياسة. وكلما تأخر علاجها، ازدادت الحمى شدة، حتى تتحول من إنذار إلى أزمة تهدد بقاء الجسد كله.
وفي المقابل، ليست كل حمى أمرًا سيئًا، فالطب يعلمنا أن ارتفاع الحرارة ضمن حدود معينة دليل على أن جهاز المناعة يعمل ويدافع عن الجسم، وكذلك السياسة. فوجود رأي عام يقظ، وصحافة حرة، ومعارضة مسؤولة، وقضاء مستقل، قد يرفع حرارة المشهد السياسي مؤقتًا، لكنه يساهم في كشف الخلل قبل أن يستفحل. أما الجسد الذي لا ترتفع حرارته أبدًا، بالرغم من إصابته بالعدوى، فهو جسد فقد قدرته على المقاومة.
ولهذا، فإن أخطر الأنظمة ليست تلك التي تعيش أزمات متكررة، بل تلك التي تبدو هادئة على الدوام، بينما تخفي تحت سطحها احتقانًا صامتًا. فالاستقرار المصطنع قد يكون، في أحيان كثيرة، أخطر من الاضطراب الظاهر، لأن المرض يتقدم فيه من دون أن يثير أي إنذار. ولعل التاريخ السياسي يقدم شواهد كثيرة على دول بدت مستقرة سنوات طويلة، ثم انهارت في أيام معدودة، ليس لأن المرض ظهر فجأة، بل لأن الحمى كانت تُخفى عمدًا، وتُقمع كل إشاراتها، حتى وصل الجسد إلى مرحلة لم يعد فيها قادرًا على المقاومة.
إن الدولة السليمة لا تخشى الحمى، بل تخشى تجاهلها. فهي تدرك أن الإنذار المبكر فرصة للعلاج، وأن الألم قد يكون رحمة إذا كشف المرض قبل استفحاله. أما الدولة التي تعتبر كل صوت ناقد تهديدًا، وكل احتجاج مؤامرة، وكل اعتراض جريمة، فإنها لا تعالج المرض، بل تكسر ميزان الحرارة. فالحمى السياسية ليست عدوًا للدولة، وإنما رسالة تحذير إليها. أما العدو الحقيقي، فهو ذلك المرض الذي يختبئ خلف ارتفاع الحرارة، ويواصل التهام الجسد بينما ينشغل الجميع بالأرقام الظاهرة على مقياسها.


