تتوالى تصريحات الرئيس الأميركي وكبار مساعديه محذّرةً من المساس بحرية الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، ومؤكدةً أن الرد سيكون قويًا وحازمًا على كل من يهدد السفن أو يعطّل حركة التجارة والطاقة في هذين الممرين الحيويين.
ولا خلاف على أهمية هرمز وباب المندب، فهما شريانان أساسيان للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب فيهما لا تقف آثاره عند دول المنطقة، بل تمتد إلى أسواق النفط والتجارة وسلاسل الإمداد في مختلف أنحاء العالم. وقد جاءت التحذيرات الأميركية الأخيرة شديدة اللهجة، حتى إن الرئيس دونالد ترامب توعّد باستهداف منشآت إيرانية مقابل كل اعتداء على السفن في مضيق هرمز.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه، وهو باب القصيد:
لماذا يبدو الخطاب الدولي حازمًا عندما يتعلق الأمر بحرية الملاحة في هرمز وباب المندب، بينما يكون أقل وضوحًا وحضورًا عندما تتعرض المدن والمنشآت المدنية في دول المنطقة لهجمات يومية متكررة؟
لقد تعرضت الكويت والبحرين ودول خليجية أخرى، ولا تزال، خلال موجات التصعيد الأخيرة، لهجمات بالصواريخ والمسيّرات، وطالت الاعتداءات منشآت حيوية ومدنية، بينها مرافق للطاقة والمياه والكهرباء، وعرّضت حياة المدنيين وسلامتهم للخطر. وقد وصفت الكويت استهداف هذه المنشآت بأنه نهج عدائي ممنهج يستهدف المواقع المدنية والبنية التحتية الحيوية.
ومن حق المواطن الخليجي أن يسأل:
أليست سلامة المدن جزءًا من الأمن الدولي؟
أليست أرواح الأطفال والأسر الآمنة أهم من السفن والبضائع؟
ولماذا يرتفع صوت التحذير حين تتهدد ناقلة نفط، بينما يخفت عندما تسقط الصواريخ والمسيّرات بالقرب من البيوت والمنشآت التي تخدم ملايين البشر؟
الأشد إيلامًا أن بعض هذه الاعتداءات يأتي ردًا على ضربات أميركية موجّهة إلى إيران، فتدفع دول الخليج ثمن مواجهة لم تبدأها، وتتحول أراضيها ومنشآتها إلى ساحات لتبادل الرسائل بين أطراف الصراع. وقد أقرت تقارير دولية بأن إيران استهدفت الكويت والبحرين ودولًا أخرى عقب جولات من الضربات الأميركية.
نكرر:
لسنا دعاة حرب، ولا نطالب بتوسيع دائرة الصراع، بل نتطلع إلى إطفاء نيرانه وحماية شعوب المنطقة من ويلاته، كما أننا مع حماية هرمز وباب المندب وتأمين الملاحة الدولية، ولكن أمن الممرات لا ينبغي أن يكون أغلى من أمن المدن، وقيمة برميل النفط لا يمكن أن تتقدم على قيمة الإنسان.
إن الأمن لا يتجزأ، والحزم الحقيقي لا يكون انتقائيًا، والعدالة لا تكتمل بحماية السفن وترك الشعوب تواجه الصواريخ والمسيّرات وحدها.
فإذا كان العالم يستنفر دفاعًا عن طريق تعبره ناقلات النفط، فمن يحمي الطرق التي يعود عبرها الأطفال إلى منازلهم؟
ومن يحمي بيوت الآمنين حين تصبح هدفًا لرسائل الانتقام وعبث الأذرع والميليشيات؟
حفظ الله دول مجلس التعاون وقياداتها وشعوبها، وأبعد عنها شر الحروب والفتن، وكتب لهذه المنطقة أمنًا دائمًا وسلامًا عادلًا، لا تُقدَّم فيه المصالح على الأرواح، ولا السفن على البشر!


