ترجل الفارس الذي لم يكن مجرد حاكم، بل كان مهندس استراتيجية تحول كبرى. وبرحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، تفقد دولة قطر، ومعها الأمتان العربية والإسلامية، منارة سياسية وقامة قيادية فذة تركت بصمات راسخة لا تُمحى في تاريخ المنطقة والعالم.
لقد كان قائدًا يمتلك رؤية ثاقبة، وإرادة صلبة كالصخر، وقدرة استثنائية على استشراف المستقبل، قاد بها بلاده لتصبح رقمًا صعبًا ولاعبًا محوريًا على الساحة الدولية.
جعل من الدوحة عاصمة الحلول وصانعة السلام، إذ لم تكن قطر في عهده مجرد دولة تبحث عن النمو الداخلي، بل جعل منها الأمير الراحل قبلةً للحوار، وعاصمةً دافئةً للتوسط وحل النزاعات المعقدة في المنطقة. من لبنان إلى دارفور، ومن أفغانستان إلى غزة، كانت الدبلوماسية القطرية، بتوجيهاته، تمشي فوق حقول الألغام السياسية لتزرع السلام، وتبحث عن قواسم مشتركة تنهي شتات الأشقاء وتطفئ نيران الحروب، مرتكزةً على إيمان عميق بوجوب أن يكون لقطر حضور فاعل ومؤثر يخدم قضايا أمتها.
موقف من الذاكرة: حين هبط غيث حمد في جزر القمر
تتجلى عظمة القادة في المواقف الإنسانية التي لا تدونها المعاهدات، بل تحفظها ذاكرة الشعوب الوفية. وفي سجل الأمير الراحل قصة تختصر معنى القائد الإنسان، ففي أيام عجاف مرت بها جمهورية جزر القمر الشقيقة، حاصرت الضائقة المالية ميزانية الدولة، وتعسرت أحوالها حتى عجزت عن دفع رواتب موظفيها لستة أشهر متتالية، وخيم الهم على بيوت كاملة.
في تلك اللحظة الحرجة، لم يرسل الأمير برقيات أو وعودًا مؤجلة، بل استقل طائرته، وبصحبته رفيقة دربه وعمره، صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، يحملان معهما الغوث المباشر. فلم تكن الطائرة الأميرية تحمل مساعدات عادية، بل كانت تحمل رواتب موظفي بلد بأكمله.
هبط الأمير كالغيث في أرض جزر القمر، ليمسح بيده الكريمة دموع الحاجة، وينشر الفرح في قلوب آلاف الأسر، ويفك كرب أمة ضاقت بها السبل. واليوم تلهج ألسنة أولئك الموظفين والعاملين وتلك العائلات بالدعاء بالرحمة والمغفرة لهذا الأمير الذي لم ينسَ الضعفاء في أوج مجده، ولشعب قطر الشهم، والذي ينطبق عليهم القول: يعطيك بلا منّة ويعتذر.
لقد قاد الأمير الوالد مشروعًا طموحًا بنى دولة حديثة ومتطورة، حاضرة بقوة في ملفات السياسة والاقتصاد والدبلوماسية. وفي الرياضة، أبهرت قطر، قبل أربعة أعوام، الدنيا بتنظيمها كأس العالم المدهش في الدوحة، والذي بقي محفورًا في ذاكرة العالم، وشيدت صروح الثقافة والإعلام التي غيرت وجه الوعي العربي.
إنَّ هذا الإرث السياسي والتاريخي العظيم سيظل حيًا ومحفورًا في وجدان الأجيال، كنموذج فريد للقيادة التي توازن بين القوة السياسية والشهامة الإنسانية.
رحل الأمير الجسد، وبقي الأمير الأثر، إذ نودعك بقلوب يعتصرها الألم، وعيون شاخصة إلى السماء تدعو لك بالقبول الحسن. فنم قرير العين، أيها الأمير الإنسان والكبير، فقد أديت الأمانة، ونصحت الأمة، وغرست في أرض قطر مجدًا يطاول النجوم، وسيجزيك الله خير الجزاء عما قدمت لوطنك وأمتك.
حفظ الله قطر وأميرها، صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل خليفة، وتغمّد فقيد قطر والعرب، صاحب السجايا الكريمة، بواسع رحمته، وأسكنه فسيح جناته.
ومثلما قال الشاعر العربي قديمًا: إن بعض الوفاء ثناءٌ.


