: آخر تحديث

بعثيون يهددون ضحاياهم!

2
2
2

قبل أيام، كتبت عن أحد البعثيين الكبار من أهالي أربيل، الذي خدم حزب البعث بكل إخلاص منذ عام 1963 إلى يوم قتله على يد المنتفضين الشجعان في أربيل عام 1991، وتسجيله شهيدًا بعد أن استطاعت عائلة البعثي المقتول أن تزوّر تاريخ والدهم، وتسجله في قائمة شهداء مدينة أربيل زورًا وبهتانًا، في حين عرّفت وزارة الشهداء والمؤنفلين في إقليم كوردستان العراق الشهيد بأنه كل من فقد حياته في خندق الكفاح المسلح أو النضال السياسي، دفاعًا عن الحركة التحررية الكوردستانية ضد الأنظمة القمعية المتعاقبة، أو نتيجة جرائم الإبادة الجماعية أو الأعمال الحربية العدوانية ضد شعب كوردستان، ويُصنف الشهداء قانونيًا إلى الفئات التالية:

1 ـ شهيد الخندق، وهو الذي ضحى بحياته في خندق الكفاح المسلح، أو النضال السياسي، وأثناء تنفيذ واجباته الوطنية ضد الأنظمة العراقية المتعاقبة.

2 ـ شهيد المواطن، ويشمل كل مواطن مدني فقد حياته نتيجة العدوان والعمليات العسكرية أو الهجمات الإرهابية.

3 ـ ضحايا الإبادة الجماعية، حلبجة والأنفال، كل من تضرر أو غُيّب أو استُشهد في جرائم الإبادة الجماعية والهجمات الكيميائية.

وبعد أن نشرت مقالي المرفق بالوثائق عن البعثي المذكور، أرسل لي أحد أبنائه تهديدًا علنيًا، ويطلب بإلحاح أن أحذف المقال المنشور عن والده البعثي، والذي يتشرف به حسب ما كتبه لي، وإلا فسيقوم بإجراءات قانونية ضدي!

لم أتمالك نفسي من الضحك، وأنا أقرأ ما سطّره ابن هذا البعثي المكروه من تهديدات وإساءة وتشهير بي، كأحد ضحايا النظام البعثي، وكأنه يعيش في زمن رئيس والده المعدوم، المجرم صدام حسين! تذكرت عنتريات والده ودوره في ملاحقة أهالي أربيل، وإجبارهم على الانتماء إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، وهو يرتدي الزيتوني، ويحمل مسدسه على جانبه، أسوة بشقاوات البعث الآخرين الذين أهدروا أرواح عشرات الآلاف من الأبرياء، لا لذنب أو جريمة سوى تهمة المساس بالذات المقدسة للرئيس القائد الأوحد وحزبه العنصري، الذي ملأ بطاح العراق بالمقابر الجماعية والمسالخ البشرية، ودمّر كل مناحي الحياة، وأفسد كل شيء جميل في البلد، إلى جانب تراجع مستويات المعيشة والتعليم والصحة والخدمات الرئيسية. ولم يترك البعث الفاشي مجالًا إلا أفسده، وطبّق على الشعب العراقي قوانين عنصرية صادرة من الرئيس الأوحد، بعد أن استخدم أموال وثروات العراق في تنفيذ مخططه التدميري تحت شعار "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة"، تلك الرسالة الحافلة بالإبادة الجماعية والسلخ والأنفال، واستخدام الأسلحة الكيميائية ضد الشعب الكوردستاني.

ومن واجبي وحقي، كضحية من ضحايا البعث الفاشي، أن أسأل: أين الجهات المعنية في الإقليم من هذه الخروقات الفاضحة في ملف حقوق الشهداء الحقيقيين؟ كيف يتحول بعثي من مجرم حرب إلى مناضل وشهيد؟ أليس من المخزي والمعيب والمشين أن يهدد ابن بعثي أجرم بحق الوطن والشعب ضحايا حزب البعث، وفي ظل الحكومة الكوردية؟ أليست هذه جريمة ضد الإنسانية وضد دماء شهدائنا وعوائلهم، مع سبق الإصرار؟ إلى متى تستمر معاناة عوائل ضحايا الشهداء الذين أفنوا أجمل سنوات حياتهم في الانتظار، وهم يرون "النشامة والجحوش وأمراء مفارز الأمن والاستخبارات من كبار أزلام صدام وعملائه من البعثيين"، الذين أنفلوا أحباءهم، فلذات أكبادهم، وهم في مناصب مرموقة، يصولون ويجولون بسياراتهم الفخمة في الإقليم، ويعيشون حياة مفعمة بالرفاهية والترف، ويهددون ضحاياهم، بينما تعيش عوائل البيشمركة والضحايا والشهداء والسجناء السياسيين في الانتظار والترقب والحزن والفقر والتهميش والعوز؟

تخيلوا معي هذه المشاهد المضحكة المبكية في زمن التناقضات الصارخة، تخيلوا ردود أفعال عائلات "الضحايا" عندما يلتقون مع عائلات "البعثيين" في وزارة "الشهداء"، أو في طابور استلام استحقاقاتهم الشهرية، أو في المستشفيات والدوائر الحكومية؟ تخيلوا ردود أفعال أبناء ضحايا البعث الفاشي، وهم يجلسون بجانب أبناء "الجلاد" في المدارس والجامعات الأهلية، ويتمتعون بالامتيازات نفسها؟

أخيرًا، على أيتام البعث العراقي أن يعلموا جيدًا بأن زمن التهديد والوعيد قد ولّى، وأن جرائم حزب البعث العربي الاشتراكي لا تسقط بالتقادم التاريخي، وأن هناك فرقًا بين الشهيد والمقتول، وبين من ضحى من أجل الوطن والشعب، ومن خدم حزب البعث العنصري إلى آخر نَفَسِه.

أخيرًا، أطلب، كضحية من ضحايا النظام البعثي الفاشي، أن تقوم الجهات المعنية في الإقليم، وفي مقدمتها وزارة الشهداء والمؤنفلين، بمراجعة وتدقيق واستبعاد أي شخص ثبت انتماؤه إلى درجات قيادية أو محظورة في حزب البعث المنحل من حقوق وامتيازات الشهداء، وسحب القرارات المخالفة عبر لجان مختصة، لضمان عدم شمول غير المستحقين الذين حشروا أسماءهم زورًا وبهتانًا في قوائم شهداء الوطن والشعب، الذين ضحوا بحياتهم من أجل الحرية، وناضلوا من أجل إسقاط النظام البعثي الفاشي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.