بنت إيران، خلال العقود الماضية، ترسانة صاروخية واسعة، وجعلتها الركيزة الأساسية في خطابها العسكري والسياسي، وقدّمتها بوصفها القوة التي لا تُردع، والذراع القادرة على تعويض ضعف سلاحها الجوي وتقادم ما تبقى من طائراتها القتالية!
غير أن القراءة العسكرية المتأنية لهذه الترسانة، بعيدًا عن الاستعراضات التلفزيونية والبيانات الدعائية، تكشف صورة أكثر تعقيدًا وأقل اكتمالًا مما تريد طهران إظهاره!
ومن خلال متابعتي البحثية والصحفية الطويلة لملفات الحروب والتسلح في المنطقة، أرى أن إيران تمتلك خطرًا صاروخيًا حقيقيًا لا يجوز التقليل منه، لكنها لا تمتلك تلك القوة المطلقة التي يروّج لها النظام وعشاقه وأذرعه، فامتلاك عدد كبير من الصواريخ لا يعني تلقائيًا امتلاك تفوق عسكري، كما أن كثرة الأسماء والطرازات الإيرانية لا تعكس بالضرورة تنوعًا مماثلًا في القدرات، لأن قسمًا كبيرًا منها لا يتجاوز كونه نسخًا مطورة أو معدلة من عائلات صاروخية أساسية محدودة.
تتكون الترسانة الإيرانية بصورة رئيسية من صواريخ بالستية قصيرة ومتوسطة المدى، ولا توجد حتى الآن أدلة قاطعة تثبت امتلاك طهران صواريخ بالستية عابرة للقارات جاهزة للعمل الميداني. ويقع المدى الأكبر لمعظم صواريخها المؤكدة بين 300 و2,000 كيلومتر، مع ادعاءات إيرانية بشأن بعض الطرازات التي قد تقترب من 3,000 كيلومتر.
وقد صرحت إيران سياسيًا، لسنوات طويلة، بسقف معلن يقارب 2,000 كيلومتر، مركزةً، بدلاً من زيادة المدى، على تحسين سرعة الإطلاق، وقابلية الحركة، ودقة التوجيه، والقدرة على المناورة. لكن هذه التحسينات تبقى متفاوتة بين صاروخ وآخر، ولا يجوز التعامل مع كل ادعاء إيراني باعتباره حقيقة عملياتية مثبتة.
في قاعدة الهرم الصاروخي الإيراني تقف عائلة شهاب القديمة، ذات الجذور السوفيتية والكورية الشمالية. ويُعد شهاب-1 نسخة مطورة من صاروخ سكود-B، ويعمل بالوقود السائل، ويبلغ مداه نحو 300 كيلومتر، ويحمل رأسًا حربيًا يتراوح وزنه بين 770 و1,000 كيلوغرام.
أما شهاب-2، فيبلغ مداه قرابة 500 كيلومتر، ويحمل رأسًا يُقدر بنحو 700 كيلوغرام. وتتخذ هذه الصواريخ شكلًا أسطوانيًا طويلًا، ببدن ضيق ورأس مخروطي وزعانف خلفية ظاهرة، وهي تحتاج إلى إجراءات تجهيز وتزويد بالوقود قبل الإطلاق، ما يجعلها أبطأ وأكثر عرضة للرصد والاستهداف مقارنة بالأجيال الحديثة العاملة بالوقود الصلب.
كما أن دقة الأجيال الأولى من عائلة شهاب محدودة نسبيًا، إذ قد تصل دائرة الخطأ في بعض النسخ إلى مئات الأمتار، الأمر الذي يجعلها أكثر ملاءمة لضرب المدن والمطارات والقواعد والمنشآت الواسعة بشكل عشوائي، وتستحيل إصابة هدف صغير أو محصن إصابة دقيقة.
ويأتي قيام-1 بوصفه تطويرًا لهذه المدرسة الصاروخية. وهو صاروخ سائل أحادي المرحلة، يتراوح مداه بين 700 و800 كيلومتر، ويحمل رأسًا حربيًا يقارب 650 كيلوغرامًا. ويتميز بجسم أكثر انسيابية وغياب الزعانف الكبيرة في بعض نسخه، لكنه يظل مقيدًا بعيوب الوقود السائل وحاجته إلى تجهيزات تشغيلية أكثر تعقيدًا.
وتقدّم طهران قيام باعتباره سلاحًا دقيقًا، إلا أن التقييم العسكري المتخصص يفرض التمييز بين الدقة التي تُعلن في التجارب الخاضعة للتحكم، والدقة التي يمكن تحقيقها في ميدان قتال يتضمن التشويش الإلكتروني والخداع والتضليل واستهداف مراكز القيادة.
أما التطور الأهم في الترسانة الإيرانية، من وجهة نظري، فيتمثل في عائلة فاتح العاملة بالوقود الصلب. ويُعد فاتح-110 أقصر وأكثر امتلاءً من صواريخ شهاب، ويبلغ مداه نحو 300 كيلومتر، ويحمل رأسًا يقارب 450 كيلوغرامًا، وتفرعت منه نماذج عدة، أبرزها فاتح-313 بمدى يقارب 500 كيلومتر، ثم ذو الفقار بمدى نحو 700 كيلومتر، ودزفول الذي تدعي إيران أن مداه يصل إلى 1,000 كيلومتر، وهي كلها صواريخ روسية تمت إعادة تسويقها كصناعة إيرانية. وتمنح المحركات الصلبة هذه الصواريخ ميزة مهمة، إذ يمكن تخزينها جاهزة لفترات أطول، وتحريكها وإطلاقها بسرعة أكبر، من دون عمليات تعبئة طويلة في موقع الإطلاق. ولهذا تكون أقل انكشافًا من الصواريخ السائلة، وأكثر ملاءمة لعمليات الإطلاق السريع، ثم الانتقال إلى موقع آخر.
وتضم الفئة المتوسطة شهاب-3، وهو من أشهر الصواريخ الإيرانية وأكثرها حضورًا في الدعاية الرسمية. يبلغ مداه قرابة 1,300 كيلومتر، ويحمل رأسًا حربيًا يتراوح بين 750 و1,000 كيلوغرام. ويبلغ طوله، في بعض التقديرات، نحو 17 مترًا، وقطره قرابة 1.3 متر، فيما يتراوح وزنه عند الإطلاق بين 15 و16 طنًا.
ويتخذ شهاب-3 شكل أسطوانة طويلة تنتهي برأس مخروطي، ويعمل بالوقود السائل في مرحلة واحدة، وهو لا يتمتع بأي دقة، لذلك ما يجعله أكثر قدرة على تهديد الأهداف الواسعة.
وظهرت بعده نسخ قدر وعماد، مع إدخال تعديلات على الهيكل والرأس العائد ومنظومات التوجيه. ويصل مدى صاروخ قدر، وفق اختلاف النسخ والتقديرات، إلى ما بين 1,600 و1,950 كيلومترًا، بينما يُقدّر مدى عماد بنحو 1,700 إلى 1,800 كيلومتر.
ويبلغ طول قدر قرابة 15.9 متر، وقد يصل وزنه إلى نحو 19 طنًا. وبالرغم من الدعاية الإيرانية بشأن الدقة العالية لهذه الصواريخ، فإن الأرقام المعلنة لا تخضع دائمًا للتحقق المستقل. وإصابة هدف في تجربة معلنة مسبقًا لا تعني القدرة على تكرار النتيجة نفسها في حرب حقيقية تتداخل فيها أنظمة الإنذار والتشويش والدفاعات متعددة الطبقات.
أما سجيل، فيُعد من أخطر الصواريخ الإيرانية نظريًا، لأنه يعمل بالوقود الصلب، ويتكون من مرحلتين، ويصل مداه إلى قرابة 2,000 كيلومتر، ويحمل رأسًا يُقدر بنحو 750 كيلوغرامًا. وهو أكبر حجمًا من عائلة فاتح، لكنه أسرع في الاستعداد للإطلاق من صواريخ شهاب وعماد السائلة.
وتضم الفئة نفسها خيبر شكن بمدى يقارب 1,450 كيلومترًا، وحاج قاسم بمدى يقترب من 1,400 كيلومتر، إضافة إلى خرمشهر، وهو صاروخ سائل ثقيل تدعي إيران أن بعض نسخه يصل مداها إلى ما بين 2,000 و3,000 كيلومتر، مع قدرة على حمل رؤوس تتراوح أوزانها بين 750 و1,500 كيلوغرام.
ويجمع خرمشهر بين الحجم الكبير والحمولة الثقيلة، لكنه يواجه، كغيره من الصواريخ السائلة، تحديات التجهيز والتمويه والحماية أثناء التحضير للإطلاق. وكل ما تقدم من الصواريخ طويلة المدى يفتقر إلى الدقة بسبب التكنولوجيا المتأخرة والتجارية. وتسوّق إيران صاروخي فتاح-1 وفتاح-2 باعتبارهما سلاحين فرط صوتيين قادرين على تجاوز الدفاعات الحديثة. إلا أن وصف أي صاروخ بأنه يتحرك بسرعات تتجاوز سرعة الصوت مرات عدة لا يكفي وحده لمنحه صفة السلاح الفرط صوتي المتقدم، فالصواريخ البالستية تبلغ أصلًا سرعات عالية خلال مراحل من مسارها.
المعيار الحقيقي يكمن في القدرة على المناورة المستمرة، وتغيير المسار أثناء التحليق، والمحافظة على الدقة تحت درجات حرارة وضغوط هائلة، وهي خصائص لم تقدّم إيران بشأنها أدلة مستقلة كافية، ولا يمكنها تقنيًا حتى إثبات امتلاكها. ويُقدّر مدى فتاح-1 بنحو 1,400 كيلومتر، بينما بقي فتاح-2، وفق المعطيات المتاحة، أقرب إلى نموذج معروض منه إلى منظومة ثبت نضجها الكامل في الخدمة العملياتية.
أما عدد الصواريخ الإيرانية، فهو أكثر جوانب الملف غموضًا. وتتراوح التقديرات المتداولة بين نحو 2,500 و6,000 صاروخ قبل الحرب الأخيرة، وهي فجوة واسعة تكشف غياب المعلومات الدقيقة، وخلط بعض التقديرات بين الصواريخ البالستية وصواريخ كروز والذخائر الأخرى.
وبصفتي باحثًا وناشرًا وصحفيًا متخصصًا في قضايا الحروب، أرى أن التركيز على رقم المخزون وحده يقود إلى استنتاجات مضللة، لأن عدد الصواريخ لا يساوي عدد الضربات التي يمكن تنفيذها بكفاءة. فالقدرة الفعلية ترتبط بعدد منصات الإطلاق، وحالة أطقم التشغيل، وسلامة الاتصالات، وجاهزية مراكز القيادة، وأمن المخازن، ومرونة طرق النقل، واستمرار خطوط الإنتاج خلال الحرب.
ومن هنا يظهر مكمن الضعف الحقيقي، ليس في غياب الصواريخ، بل في محدودية المنظومة العسكرية المحيطة بها. فالصاروخ لا يوفر سيادة جوية، ولا يحمي المصنع الذي أنتجه، ولا يعوض تقادم الطيران، ولا يمنع استهداف القادة ومراكز الاتصالات ومنصات الإطلاق وسلاسل الإمداد.
وقد بنت إيران أنفاقًا وقواعد تحت الأرض ومنشآت محصنة لزيادة فرص بقاء ترسانتها، لكن التحصين لا يجعل السلاح غير قابل للاكتشاف أو الاستهداف إلى الأبد، خصوصًا أمام الأقمار الصناعية والاستطلاع الجوي والاستخبارات الإلكترونية والذخائر الدقيقة.
وتبقى المسألة الأهم مرتبطة بقدرة هذه الصواريخ على تجاوز منظومات الدفاع الحديثة. فلا تُقاس قيمة الترسانة ببلوغ الصاروخ مداه النظري فقط، بل بقدرته على الوصول إلى الهدف بعد عبور شبكات الرصد والاعتراض.
وفي مقدمة هذه الشبكات تأتي منظومة باتريوت، ولا سيما صواريخها الاعتراضية من فئة PAC-3 وPAC-3 MSE، المصممة لاعتراض الصواريخ البالستية التكتيكية خلال المرحلة النهائية من مسارها. وتعتمد النسخ الأحدث على مبدأ الاصطدام المباشر بالهدف، مع تحسينات في السرعة والمناورة والقدرة على الاشتباك.
وتحاول إيران تقليل فرص الاعتراض باستخدام الوقود الصلب، والرؤوس العائدة القابلة للمناورة، والمسارات المتغيرة، وإطلاق دفعات متزامنة بهدف إغراق شبكات الرصد والدفاع. لكن هذه الأساليب لا تمنح الصاروخ حصانة مطلقة، فهي تعقّد مهمة الدفاع، لكنها لا تلغيها.
كما أن فاعلية الهجوم لا تتوقف على عدد الصواريخ المطلقة فقط، بل تعتمد على توقيت الضربة، وتوزيع الأهداف، وكفاءة القيادة والسيطرة، ونوعية الصواريخ المستخدمة، في مقابل عدد بطاريات الدفاع ومواقعها واحتياطاتها وتكاملها مع أنظمة الإنذار المبكر.
والأهم أن باتريوت لا يعمل منفردًا في العقائد الدفاعية الحديثة، بل يكون جزءًا من شبكة متعددة الطبقات، قد تشمل منظومات مخصصة للاعتراض على ارتفاعات ومديات مختلفة، مثل منظومة ثاد. وهذا التكامل يمنح الدفاع أكثر من فرصة لرصد الصاروخ واعتراضه قبل وصوله إلى هدفه.
لهذا لا يمكن للصواريخ الإيرانية تجاوز باتريوت.
وهنا يسقط الجزء الأكبر من وهم التفوق الإيراني، فالسلاح الذي يُقدَّم بوصفه قادرًا على تغيير موازين المنطقة يظل مطالبًا أولًا بتجاوز شبكة دفاعية معقدة، ثم إصابة هدفه بدقة، ثم تكرار ذلك تحت ضغط الاستنزاف والاستهداف المستمر. قد تقلل المناورة من احتمال الاعتراض، لكنها لا تمنح الصاروخ حصانة، كما أن استهلاك أعداد كبيرة من الصواريخ لإجبار الدفاعات على استخدام مخزونها الاعتراضي يفرض، في المقابل، ضغطًا قاتلًا على المخزون الإيراني نفسه، وعلى قدرته على التعويض والإنتاج تحت سيادة جوية كاملة لخصومها.
إن الترسانة الإيرانية تهديد جدي يجب الاستعداد له، لكنها ليست قوة خارقة ولا ضمانة للنصر. فهي مزيج من صواريخ قديمة متواضعة الدقة، وأجيال أحدث أكثر سرعة وحركة، وأنظمة لم تُختبر كل ادعاءاتها في زمن الحرب. قوتها الحقيقية تكمن في العدد والتنوع والقدرة على الإغراق، أما ضعفها فيكمن في اعتمادها على بنية صناعية ولوجستية يمكن استنزافها، وفي عجزها عن تعويض عناصر القوة الجوية والاستخباراتية والتكنولوجية الشاملة.
وبين منصة الإطلاق والهدف تقف رادارات الإنذار المبكر، ومنظومات القيادة والسيطرة، وصواريخ باتريوت الاعتراضية، وشبكات دفاعية راكمت خبرة واسعة في مواجهة التهديدات البالستية.
وقد تستطيع بعض الصواريخ الإيرانية الإفلات من الاعتراض، لكنها لا تستطيع الإفلات جميعًا. وكلما تطورت عائلة باتريوت وتكاملت مع طبقات دفاعية أخرى، تقلصت المساحة التي تستطيع فيها طهران تحويل الاستعراض الإعلامي إلى إنجاز عسكري.
وما تصفه إيران بأنه "يد لا تُقطع" ليس سوى مخزون كبير يخضع لقوانين الحرب والاستنزاف. وكل مخزون يدخل مواجهة طويلة يبدأ عدّه التنازلي منذ لحظة إطلاق صاروخه الأول، وهنا تحديدًا ينتهي وهم التفوق، وتبدأ الحقيقة العسكرية.


