لا تنطلق معركة السيادة دائمًا من الحدود، ولا من جلسات الحكومة، ولا حتى من مخازن السلاح، أحيانًا تبدأ من جدار.
لهذا، لم تكن إزالة صورة علي خامنئي عن واجهة مبنى في كربلاء مجرد إجراء بلدي أو أمني عابر. فبحسب الروايات المتداولة، طلب مالك المبنى إزالة الصورة، قبل أن تنفذ قوة أمنية القرار وتمنع إعادة تعليق صور أخرى، وسط غياب رواية رسمية مفصلة تحسم جميع ملابسات الحادثة. ومع ذلك، كان كافيًا أن تُنزَع الصورة حتى يتحول الجدار إلى ساحة مواجهة سياسية.
المسألة لا تتعلق بصورة واحدة، بل بما تمثله الصور حين تُفرض على الأماكن العامة.
فالمحور الإيراني لم يبنِ نفوذه في العراق ولبنان وسوريا بالسلاح والسياسة وحدهما. لقد اختلق أيضًا رواية بصرية كاملة: صور قادة، ورايات، وجداريات، وأسماء شوارع، ونُصب تذكارية لأشخاص يُراد لهم أن يتحولوا من شخصيات سياسية إلى رموز مقدسة لا يجوز الاقتراب منها أو الاعتراض عليها.
وحين تتكرر الصورة في كل شارع، يبدأ المواطن بالشعور بأن صاحبها موجود في كل مكان، وأن نفوذه أبدي، وأن رفضه مستحيل.
لهذا، فإن إزالة هذه الرموز من الأمكنة العامة ليست عملًا هندسيًا جماليًا. إنها الخطوة الأولى في مقاومة الرواية التي تروج لهيمنة من يملك السلاح على المدينة، ولمنح ملكية الجدار لمن يستطيع حراسته، ولإمكانية استبدال الهوية الوطنية بصورة قائد أجنبي.
لكن هناك مسألة أكثر أهمية: كثرة الصور لا تعني كثرة المؤيدين.
ربما تشير إلى عكس ذلك تمامًا.
فالزعيم الذي يتمتع بشعبية حقيقية لا يحتاج إلى مسلحين كي يحموا صورته، ولا إلى جماعة مستعدة لإشعال الشارع كلما أزيل ملصق عن بناية. الرمز الواثق من مكانته يعيش في ذاكرة الناس. أما الرمز الذي لا يحيا إلا على الجدران، فيحتاج دائمًا إلى القوة كي يحافظ على مكانه على تلك الجدران.
إن انتشار صور قادة المحور الإيراني لا يقدم دليلًا حسيًا قاطعًا على شعبيتهم، بل يكشف، في كثير من الأحيان، حجم قدرة جماعات مسلحة، خارجة عن منطق الدولة، على احتلال الأملاك العامة. فهي لا تسأل السكان إن كانوا يريدون الصورة، ولا تنتظر موافقة أصحاب المباني، ولا تتعامل مع الشارع بوصفه ملكًا عامًا مشتركًا. إنها تضع شعاراتها عليه كما تضع الجيوش أعلامها فوق الأرض التي تسيطر عليها.
ومن هنا، تصبح الصورة بمثابة إعلان نفوذ أكثر منها تعبيرًا عن محبة.
في لبنان، لطالما اعتدنا على هذه الظاهرة، إذ امتلأت مناطق وشوارع عدة بصور قادة لبنانيين وغير لبنانيين، حتى بات المرور في بعض الأماكن أشبه بالدخول إلى مربع سياسي مغلق، لا إلى مدينة يُفترض أنها تخص جميع مواطنيها.
إلا أن سخرية الزمن لا يتمتع بها السياسيون.
على كورنيش عين المريسة في بيروت، لا يزال نصب جمال عبد الناصر قائمًا على مسافة قصيرة من أحد فروع ماكدونالدز. وقد وثقت الصحافة اللبنانية، منذ سنوات، هذه المفارقة بين نصب الزعيم الذي رفع شعارات الوحدة العربية ومقاومة الاستعمار، والمطعم الذي يمثل، في المخيلة السياسية نفسها، العولمة الأميركية التي عاداها الخطاب الناصري الخشبي.
اليوم، لا يبدو أن النصب يستحضر لدى معظم المارة وعود عبد الناصر بالوحدة والتحرير. لقد تحول، في أفضل الأحوال، إلى نقطة استدلال جغرافية: انعطف عند عبد الناصر كي تصل إلى ماكدونالدز.
وهذه ربما أكثر النهايات قسوة على الرموز السياسية.
فالزعيم الذي وعد الجماهير بتغيير وجه التاريخ بات يساعدها على تحديد الطريق إلى وجبة سريعة. لم يعد النصب يمثل فكرًا سياسيًا، ولا يستحضر حنينًا جماهيريًا، ولا يعيد إحياء مشروع سياسي. إنه موجود لأن أحدًا لم يجد سببًا كافيًا لإزالته، لا لأن مشروعه لا يزال حيًا.
وهنا تكمن العبرة.
فالصور والتماثيل تستطيع احتلال المكان، لكنها لا تستطيع احتلال الذاكرة. ويمكن للقوة أن تُبقي صورة معلقة، لكنها لا تستطيع إجبار الناس على الإيمان بها. وما يبدو دليلًا على الهيمنة اليوم قد يتحول غدًا إلى قطعة مهملة من المشهد، أو إلى إشارة يستخدمها الناس كي يصلوا إلى مطعم قريب.
نجاح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في الحد من الوصاية الإيرانية لن يُقاس بإزالة صورة واحدة، بالرغم من أهمية ما حدث في كربلاء. فهو رئيس حكومة تواجه تركة سياسية وأمنية ثقيلة، وتبحث، في الوقت نفسه، عن تنويع شراكات العراق الخارجية وتقليص اعتماده على طرف إقليمي واحد.
الاختبار الحقيقي هو أن تتحول إزالة الصورة إلى قاعدة وطنية ثابتة: لا غلبة لقائد أجنبي على السيادة، ولا وجود لجماعة مسلحة فوق القانون، ولا سيطرة لأي فصيل على جدار عام.
فمن يريد تحرير القرار الوطني، عليه أولًا أن يحرر الأماكن العامة.
وأحيانًا، تبدأ استعادة الدولة من مكان متواضع جدًا: جدار أصبح أخيرًا ملكًا لأشخاص حقيقيين.


