: آخر تحديث

الحرس الثوري يتهاوى ويقتاد شعب إيران رهينة إلى القاع

2
2
2

يعيش الإنسان في إيران اليوم تحت ثقل كابوس مزدوج، يصارع الفقر وانعدام الأمان من جهة، وتلاحقه قسوة الحرس الثوري بالحديد والنار من جهة أخرى. قد تبدو الشوارع هادئة أو مقفرة في هذه اللحظة، فالخروج للتظاهر بات مغامرة تقارب الموت، لكن الشارع ليس سوى الجسد، أما روح التغيير التي اشتعلت قبل الحرب فلم تمت. الإيرانيون شعب صبور للغاية، يعرف كيف يخبئ حلمه تحت الركام وينتظر لحظته، تمامًا كما جرى في سوريا التي بدأت قصتها عام 2011 وانتهت بسقوط نظام الأسد. التاريخ لا يسير بخط مستقيم، لكنه ينتهي دائمًا لصالح الناس.

حق هذا الشعب البسيط، بأكراده وعربه وفرسه وبلوشه وكل أطيافه الجميلة، ليس تعجيزيًا. هو يريد فقط أن يعيش بأمان، وأن يأكل من خيرات أرضه الغنية، وأن يرى أبناءه ينعمون بحياة طبيعية بلا خوف.

بدلاً من بناء الإنسان، انشغلت السلطة لعقود بحفر الأنفاق، وبناء الخنادق، وصرف المليارات على الصواريخ والأذرع والميليشيات التي خاضت معارك في دول الجوار وأثارت العداوات مع الجميع. والنتيجة؟ بلد منهك وزمرة فاسدة تحكم باسم مرشد غائب قد لا يكون حتى على قيد الحياة. لقد خسر النظام قدراته العسكرية الأساسية، وانكشفت عزلته، وصار يواجه الحقيقة العارية.

الناس في إيران لا يعانون من بطش السلطة وحدها، بل يكتوون يوميًا بنار الحرب والعقوبات التي طحنت أجسادهم. الأرقام هنا ليست مجرد إحصائيات، بل هي وجوه تتألم، التضخم الذي تجاوز خمسين بالمئة كسر ظهر العائلات، والريال الذي فقد معظم قيمته جعل الرواتب بلا معنى، أما الشباب الذين درسوا وسهروا فباتوا يواجهون جدار البطالة المغلق بحسرة، بينما وجد أكثر من نصف المجتمع نفسه فجأة تحت خط الفقر، يصارع من أجل وجبة يومه.

وهنا تكمن العقدة الحقيقية التي لا يستطيع أي نظام أمني التعامي عنها، انهيار الطبقة الوسطى. فهذه الطبقة، التي ضُغطت حتى انضمت رغمًا عنها إلى صفوف الفقراء، هي المحرك الأساسي والأخطر لأي حراك سياسي وجماهيري. التاريخ العربي والقريب يعلمنا أن الطبقة الوسطى هي التي تقلب الطاولة، هي من أسقط الحكومات وخلع الأنظمة في مصر وتونس وليبيا وسوريا عندما وصلت إلى نقطة لا يوجد فيها ما تخسره. حين تتلاشى الطبقة الوسطى في إيران، فإن النظام لا يفقد أمانه الاقتصادي فحسب، بل يفقد الجدار الذي يحميه من الانهيار الشامل، لأن هذه الطبقة تحديدًا هي من تملك الوعي والتنظيم والقدرة على قيادة الشارع نحو نقطة اللاعودة.

وعندما تضيق المساحة أمام النظام، يهرب نحو أوراقه الأخيرة والقديمة، الابتزاز الدولي. تدرك طهران أن ورقتها الأقوى اليوم هي التهديد بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وشل حركة الطاقة العالمية، إلى جانب استمرار الاعتداءات على دول الجوار، سواء بضربات مباشرة أو عبر أدواته من الحوثيين والميليشيات العراقية. يسعى النظام من خلال هذه المقامرة إلى إرباك الاقتصاد العالمي والضغط على واشنطن لوقف الحصار والضربات المتتالية.

لكن هذا الرهان ينطوي على خطأ استراتيجي قاتل، إغلاق الشريان الحيوي للنفط العالمي لن يجبر العالم على الخضوع، بل سيجعل تشكيل تحالف دولي واسع يضم دولًا عربية أمرًا أسهل وأكثر ضرورة لحماية أمن الطاقة المتبادل، تحالفًا يستثني إسرائيل بطبيعة الحال، لكنه يضع نظام طهران في مواجهة مباشرة مع الإرادة الدولية والإقليمية معًا.

هذا النظام يصر على العيش بعقلية إسبارطة القديمة، لا يؤمن إلا بالقوة المفرطة والترسانات، تمامًا كما يفعل نتنياهو وحكومته في الجهة الأخرى. لكن القوة المجردة وهم قاتل. التاريخ يخبرنا بوضوح أن كل إسبارطة اعتقدت أنها مخلدة، انتهت إلى الاندثار وأصبحت مجرد أسطر في كتاب قديم.

سيأتي دائمًا من هو أقوى عزيمة وإصرارًا، وفي نهاية المطاف، لا توجد قوة على هذه الأرض أقوى وأطول عمرًا من إرادة الشعوب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.