في الطب، لا يعني الورم دائمًا السرطان، لكنه يعني، على الدوام، أن نموًا غير طبيعي بدأ يحدث داخل الجسد. فقد يكون الورم حميدًا، محدود الأثر، ويمكن استئصاله بسهولة، وقد يكون خبيثًا، يتكاثر بصمت، ويزاحم الخلايا السليمة، ويستنزف طاقة الجسم حتى يهدد حياته. لذلك، لا ينظر الطبيب إلى حجم الورم فقط، بل إلى طبيعته، وسرعة نموه، وقدرته على تعطيل وظائف الأعضاء، والسياسة هنا لا تختلف كثيرًا عن الطب.
فالدول لا تمرض دائمًا بسبب النقص، بل قد تمرض أيضًا بسبب الزيادة، فكما أن الجسد لا يحتاج إلى أعضاء إضافية كي يصبح أكثر صحة، فإن الدولة لا تصبح أكثر قوة كلما ازداد عدد أحزابها، أو وزاراتها، أو هيئاتها، أو موظفيها، أو مسؤوليها. فهناك نمو طبيعي يفرضه تطور الدولة، وهناك نمو آخر لا يؤدي أي وظيفة، بل يعيش على حساب الجسد السياسي، وذلك هو الورم.
يبدأ الورم السياسي صغيرًا، باستحداث منصب لإرضاء طرف سياسي، أو تشكيل هيئة مؤقتة لاحتواء أزمة، أو تعيين مستشار لا تحتاجه المؤسسة، أو إنشاء لجنة لا تنتهي مهمتها. ثم تتكرر الاستثناءات، وتتوالد المناصب، وتتوسع الهياكل، حتى تمتلئ مفاصل الدولة بحلقات زائدة لم تعد تؤدي وظيفة حقيقية، لكنها تستهلك المال والوقت والقرار.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل تمتد خلايا الورم إلى تضخم عدد الأحزاب، وترهل الحكومات بإضافة وزراء ووكلاء ومستشارين لإرضاء المحاصصة، وتكاثر الهيئات والدوائر التي تتداخل صلاحياتها أكثر مما تتكامل، حتى تصبح الدولة أشبه بجسد يحمل أعضاءً إضافية تعيق حركته أكثر مما تمنحه قوة. ومن أخطر أعراض الورم السياسي تضخم البيروقراطية، فكلما كثرت الحلقات الإدارية، ازدادت المسافة بين المواطن والدولة، وأصبحت المعاملة الواحدة تحتاج إلى عشرات التواقيع والأختام والموافقات، وما إن يطول الطريق حتى يجد الفساد المالي والإداري بيئته المثالية، فتتحول الرشوة إلى اختصار للطريق، والمحسوبية إلى وسيلة لتجاوز التعقيد الذي صنعه الورم نفسه.
ثم تظهر مرحلة أكثر خطورة، حين لا تعود الوظيفة العامة حقًا للكفاءة، بل مكافأة للولاء، أو للقرابة، أو للمحاصصة، أو حتى سلعة تُباع وتُشترى. عندها، لا يعود الورم مجرد تضخم في عدد المناصب، بل يتحول إلى خلل يصيب وظيفة الدولة نفسها، لأن الخلايا الجديدة لم تُضف قيمة، وإنما زاحمت الخلايا السليمة وأضعفتها. وفي الطب، قد يبقى الورم الحميد سنوات طويلة دون أن يهدد حياة المريض إذا ظل تحت المراقبة، أما إذا تُرك لينمو بلا تشخيص ولا علاج، فقد يتحول إلى خطر حقيقي. وكذلك في السياسة، فبعض المؤسسات أو الإجراءات الاستثنائية قد تفرضها ظروف معينة، لكن الخطر يبدأ عندما تصبح المؤقتات دائمة، والاستثناءات قواعد، والورم جزءًا من بنية الدولة لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه.
إن الدولة الرشيدة لا تُقاس بعدد وزاراتها، ولا بكثرة هيئاتها، ولا بتضخم جهازها الإداري، بل بقدرتها على إنجاز وظائفها بأعلى قدر من الكفاءة وأقل قدر من الهدر. فكما لا يفتخر الطبيب بكثرة الأورام في جسد المريض، لا ينبغي للدولة أن تفاخر بتضخم مؤسساتها إذا كانت عاجزة عن أداء رسالتها. فالورم السياسي لا يبدأ كارثة، بل يبدأ تفصيلًا صغيرًا يتسامح معه الجميع، لكنه، مع مرور الزمن، يعتاد الجسد عليه، ويدافع عنه، بل ويعتبره جزءًا من تكوينه الطبيعي. وعندها، لا يكون الخطر في وجود الورم وحده، بل في فقدان القدرة على التمييز بين العضو السليم والعضو الذي يعيش على حسابه. ومن هنا تبدأ رحلة الدولة نحو الإنهاك، لا لأنها افتقرت إلى المؤسسات، بل لأنها أثقلت نفسها بما لم تعد قادرة على حمله.


