الصحافي الحقيقي لا تصنعه بطاقة معلّقة على صدره، ولا لقب يسبق اسمه، ولا كثرة الظهور أمام الكاميرات، ولا عدد المتابعين الذين يصفقون له في "الفضاء الأزرق". فالمهنة أكبر من صورة لامعة، وأعمق من شهرة عابرة، وأشد خطورة ومسؤولية من أن تُختصر في ميكروفون يُحمل، أو صفحة تُفتح على مواقع التواصل، أو كلمات مثيرة تُكتب بحثًا عن الإعجابات والمشاهدات.
الصحافي الحقيقي تصنعه الموهبة حين تصقلها المعرفة، والخبرة حين تهذّبها الممارسة، والأخلاق حين تختبرها المواقف الصعبة. إنه لا يكتفي بأن يرى الحدث من ظاهره، بل يحاول أن ينفذ إلى أعماقه، وأن يفهم أسبابه ونتائجه، وما يختبئ خلفه من حكايات الناس وآلامهم ومصالحهم وتناقضاتهم. فهو لا يتعامل مع الإنسان بوصفه خبرًا عابرًا، بل بوصفه حياة وكرامة وذاكرة قد تجرحها كلمة متسرعة، أو تهدمها تهمة لا تستند إلى دليل.
هو ذلك الذي يبحث عن الحقيقة قبل أن يبحث عن الشهرة، ويخشى على صدقية كلمته أكثر مما يخشى على عدد المشاهدات. يعرف أن الخبر ليس سلعة تُرمى إلى الناس على عجل، ولا وسيلة لإثارة الفضول الرخيص، وأن المعلومة الناقصة أو المشوّهة قد تظلم إنسانًا بريئًا، أو تهدم سمعة بُنيت خلال سنوات، أو تشعل خصومة يصعب إخمادها، أو تضلل مجتمعًا بأكمله وتدفعه إلى اتخاذ مواقف مبنية على الوهم.
لذلك، يتحقق قبل أن ينشر، ويسأل قبل أن يحكم، ويستمع قبل أن يتهم، ويمنح الأطراف المختلفة حقها في الكلام، ويفصل، ما استطاع، بين ما يعرفه وما يعتقده، وبين الوقائع الثابتة والانطباعات الشخصية.
الصحافة ليست أن تقول كل ما تسمع، بل أن تعرف ماذا تقول، ولماذا تقوله، ولمن تقوله، وبأي دليل تقدّمه. وليست الشجاعة أن تصرخ بأعلى صوت، بل أن تقول الحقيقة في وقتها، بوضوح ومسؤولية، ولو خالفت رغبات الجمهور أو أغضبت أصحاب النفوذ.
والصحافي الحقيقي لا يولد من فراغ، ولا يهبط على المهنة لمجرد أنه وجد أمامه هاتفًا ذكيًا أو منصة مجانية. إنه يمتلك أدوات مهنته: لغة سليمة تحمي المعنى من التشويه، وثقافة واسعة تمنحه القدرة على فهم ما وراء الحدث، وفضولًا مهنيًا يدفعه إلى البحث، وذكاء في السؤال، وصبرًا في الاستماع، ودقة في التحقق، ووعيًا بأن ما لا يُقال أحيانًا قد يكون أكثر دلالة مما يُقال.
كما يمتلك حسًا إنسانيًا يجعله قادرًا على الاقتراب من آلام الآخرين من دون استغلالها، وعلى نقل معاناتهم من دون تحويلها إلى مشهد للفرجة. فثمة فارق كبير بين أن تروي وجع الناس دفاعًا عن حقوقهم، وبين أن تتاجر بهذا الوجع من أجل شهرة شخصية. الصحافي الحقيقي لا يجعل من دموع الضحايا سلّمًا للصعود، ولا من مآسي المجتمع مادة لاستعراض حضوره، بل يدرك أن وراء كل خبر وجهًا وقلبًا وأسرة ومستقبلًا قد يتأثر بما يكتب.
لقد جعلت الثورة الرقمية الجميع قادرين على النشر، لكنها لم تجعل الجميع قادرين على ممارسة الصحافة. فليس كل من كتب منشورًا على "فيسبوك" صحافيًا، ولا كل من حمل هاتفًا وصوّر حادثة أصبح إعلاميًا، ولا كل من جلس أمام كاميرا صار صاحب رسالة. إن سهولة الوصول إلى الجمهور شيء، والقدرة على احترام عقل هذا الجمهور وحقه في المعرفة الدقيقة شيء آخر تمامًا.
وهنا يكمن الخطر. حين تختلط المهنة بالاستعراض، يصبح الخبر وسيلة للفت الأنظار، وتتحول العناوين إلى مصائد للإثارة، وتضيع الحقيقة بين الرغبة في السبق والخوف من تراجع المشاهدات. وحين تغيب الأخلاق، يتحول المنبر إلى أداة لتصفية الحسابات والتشهير وتلميع الأشخاص، ويصبح الصحافي المزعوم أقرب إلى موظف دعاية أو صاحب مصلحة منه إلى شاهد أمين على الأحداث.
وبعض من يدّعون الصحافة لا يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عن موقع قريب من أصحاب النفوذ، أو منفعة شخصية، أو مكاسب مادية، أو شهرة سريعة. يتقربون من المسؤول حينًا، ويهاجمونه حينًا آخر، لا وفقًا للموقف العام، بل بحسب ما يحقق مصالحهم. وعندها تفقد الكلمة معناها، ويفقد المنبر احترامه، ويصبح الإعلام جزءًا من المشكلة بدلاً من أن يكون عينًا تراقبها وضميرًا ينبه المجتمع إلى أخطارها.
أما الصحافي الحقيقي، فقد يخطئ، فهو إنسان، لكنه يمتلك شجاعة الاعتراف بخطئه وتصحيحه. لا يكابر، ولا يعتبر التراجع عن المعلومة الخاطئة انتقاصًا من مكانته، بل يرى في التصحيح احترامًا للقارئ وصونًا لكرامة المهنة. قد يختلف مع الآخرين، لكنه لا يحوّل الاختلاف إلى شتيمة. ينتقد بقوة، لكنه لا يفتري. يسأل بجرأة، لكنه لا يصدر أحكامًا بلا دليل. يقف إلى جانب الناس وحقوقهم، لكنه لا يجعل عاطفته بديلاً من الحقيقة، ولا غضبه الشخصي معيارًا لتحديد الصواب والخطأ.
فالصحافة في جوهرها موقف أخلاقي قبل أن تكون مهنة، وامتحان يومي للضمير قبل أن تكون وظيفة أو مصدرًا للرزق. ذلك أن الصحافي يمتلك شيئًا شديد الخطورة: القدرة على تشكيل صورة الآخرين في أذهان الناس، والتأثير في الرأي العام، وصناعة التعاطف أو الكراهية، والإنصاف أو الظلم.
ولهذا، ليست الصحافة ادعاء، ولا لقبًا يمنحه الإنسان لنفسه، ولا بطاقة يحصل عليها ثم يعلّقها على صدره. إنها موهبة تُصقل بالمعرفة، ومهنة تثبتها التجربة، ومسؤولية تحرسها الأخلاق، ورسالة لا تستقيم إلا بالصدق والنزاهة والشجاعة.
فليس كل من يكتب صحافيًا، وليس كل من يظهر أمام الكاميرا إعلاميًا، الصحافي الحقيقي هو من يجعل الحقيقة غايته، والإنسان مسؤوليته، والمجتمع أمانته، والكلمة عهدًا لا يخونه، ولا يبيعها، ولا يشتري بها موقعًا أو منفعة.


