: آخر تحديث

الاتفاق النووي السعودي الأميركي: استقلال القرار وثبات الموقف

2
2
3

لم تعد السياسة الخارجية السعودية تُقرأ بمنطق الصفقات المشروطة، ولا تُفسَّر من خلال الربط التقليدي بين الملفات المتباينة، بعدما رسخت المملكة، خلال الأعوام الأخيرة، نهجًا يقوم على استقلالية القرار الوطني، وعلى الفصل بين المصالح الاستراتيجية الكبرى وبين القضايا السياسية التي تمتلك مساراتها الخاصة، الأمر الذي جعل أي تعاون في مجالات الطاقة أو الاقتصاد أو التقنية أو الأمن يُناقش وفق معاييره الفنية والسيادية، بعيدًا عن ربطه بقضايا أخرى لا تدخل في جوهر تلك الاتفاقات.

ويأتي الاتفاق السعودي الأميركي بشأن التعاون في البرنامج النووي المدني ليؤكد هذا النهج بوضوح، بعدما أشارت التقارير إلى أن مشروع الاتفاق المرسل إلى الكونغرس الأميركي لا يتضمن أي بند يربط التعاون النووي بالتطبيع مع إسرائيل، ولا يحتوي على أي إشارة إلى اتفاقيات إبراهيم، وهو ما يعكس أن التعاون بين الرياض وواشنطن في هذا الملف يقوم على المصالح المشتركة المتعلقة بالطاقة السلمية، ونقل التقنية، وبناء القدرات الوطنية، وتطوير قطاع استراتيجي يمثل أحد مستهدفات رؤية المملكة 2030، بعيدًا عن إدراج اشتراطات سياسية لا ترتبط بطبيعة الاتفاق ذاته.

وليس في ذلك ما يدعو إلى الاستغراب، فالمملكة أعلنت مرارًا أن موقفها من العلاقات مع إسرائيل تحكمه ثوابت سياسية معلنة ترتبط بإيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وفق مبادرة السلام العربية والمرجعيات الدولية، وهو موقف ظل ثابتًا في مختلف المراحل، ولم يكن يومًا جزءًا من اتفاقات التعاون الاقتصادي أو التقني أو الدفاعي التي تبرمها المملكة مع شركائها الدوليين.

أما البرنامج النووي المدني السعودي، فإنه يمثل خيارًا تنمويًا طويل الأمد، يستهدف تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز أمن الإمدادات، وتوطين التقنيات المتقدمة، وإعداد الكفاءات الوطنية، وبناء صناعة معرفية متقدمة قادرة على الإسهام في الاقتصاد الوطني، ضمن التزام المملكة الكامل بالمعايير الدولية الخاصة بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وهو ما يجعل هذا المشروع امتدادًا لمسيرة التحول الوطني، وليس ورقةً للمقايضة السياسية أو وسيلةً لتمرير ملفات لا ترتبط بطبيعته.

وهذا التطور يعكس أيضًا تحولًا مهمًا في طبيعة العلاقات السعودية الأميركية، بعدما أصبحت تُبنى على المصالح المتبادلة، والاحترام المتبادل للسيادة، وإدراك كل طرف لأولويات الطرف الآخر، بما يتيح الوصول إلى تفاهمات استراتيجية دون الحاجة إلى ربطها بملفات منفصلة، الأمر الذي يعزز الثقة بين البلدين، ويمنح كل اتفاق قيمته الحقيقية وفق أهدافه المباشرة.

إن الرسالة الأبرز في هذا الاتفاق تتمثل في أن المملكة العربية السعودية تدير مصالحها الكبرى وفق رؤية وطنية مستقلة، تحدد أولوياتها بنفسها، وتفصل بين مسارات التعاون الدولي وبين مواقفها السياسية الثابتة، بما يؤكد أن القرارات السيادية السعودية تُصاغ انطلاقًا من مصالح الوطن، وثوابته، ورؤيته المستقبلية، دون أن تكون مرتبطة باشتراطات لا تنسجم مع تلك المبادئ أو مع طبيعة الملفات محل التفاوض.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.