: آخر تحديث

هدم الثقة

3
4
3

بعد اندلاع عملية "الغضب الملحمي" الأميركية الإسرائيلية ضد إيران في 28 شباط (فبراير) 2026، ورد إيران ووكلائها بهجمات واسعة، برز دور الفصائل العراقية المسلحة، مثل سرايا أولياء الدم، وكتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، والمقاومة الإسلامية في العراق، بشكل لافت. أطلقت هذه الفصائل مئات الهجمات بمسيّرات وصواريخ من الأراضي العراقية، شملت قواعد أميركية داخل العراق وفي المنطقة، بالإضافة إلى استهداف منشآت مدنية واقتصادية حيوية في دول الخليج العربية مثل مطارات وموانئ ومنشآت طاقة. وبالرغم من الإدانات الرسمية المتكررة من الحكومة العراقية برئاسة محمد شياع السوداني، والتأكيد على رفض استخدام الأراضي العراقية لاستهداف الجوار، إلا أن الفعل على الأرض كشف عن عجز واضح في فرض السيادة الكاملة. هذا الواقع حوّل العراق، في نظر دول الخليج، من دولة جارة تسعى للانفتاح الاقتصادي إلى مصدر تهديد مباشر، مما أدى إلى هدم سريع وعميق للثقة التي كانت تُبنى تدريجيًا خلال السنوات الماضية.

قبل تصعيد شباط (فبراير) 2026، شهدت العلاقات العراقية الخليجية تحسنًا نسبيًا، تجلى في زيارات متبادلة، واستثمارات سعودية وإماراتية في قطاعات الطاقة والنقل، ومناقشات حول مشاريع مثل "طريق التنمية". كانت دول الخليج ترى في العراق سوقًا واعدًا وحاجزًا جغرافيًا محتملاً أمام التمدد الإيراني. لكن الهجمات التي انطلقت من جنوب العراق واستهدفت منشآت نفطية ومطارات خليجية غيّرت المعادلة جذريًا. أصدرت السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والأردن بيانًا مشتركًا يدين هذه الهجمات، معتبرة إياها تهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي. كما سارعت دول مثل الإمارات والسعودية إلى تقديم احتجاجات رسمية واستدعاء السفراء العراقيين.

في الوعي الخليجي، لم تعد الفصائل "مكونًا داخليًا عراقيًا"، بل أصبحت امتدادًا عمليًا لنفوذ خارجي يستخدم الأراضي العراقية كمنصة للتصعيد. هذا التحول انعكس في الإعلام الخليجي، الذي انتقل من تغطية العراق كدولة في مرحلة انتقالية إلى التركيز على "الذراع الإيراني" في بغداد، مع نشر خرائط توثق مصادر الهجمات.

ستسرّع دول الخليج بناء أنظمة دفاع جوي متكاملة على الحدود الشمالية، مع تعزيز التنسيق مع الولايات المتحدة ودول أخرى. وقد يؤدي ذلك إلى تحول العراق من "جار" إلى "تهديد هجين" يستدعي احتواءً حذرًا، بما في ذلك مراقبة أشد للحدود وتبادل معلومات استخباراتية. أما اقتصاديًا، فإن الثقة المفقودة ستؤدي إلى تباطؤ الاستثمارات الخليجية في العراق، خاصة في قطاع النفط والغاز والمشاريع الكبرى مثل طريق التنمية. الشركات الخليجية والدولية ستعيد تقييم مخاطرها، وقد تشهد مشاريع الطاقة والنقل تأخيرًا أو شروطًا أمنية صارمة. كما أن أي تصعيد مستقبلي قد يؤثر على أسواق الطاقة الإقليمية، مما يضر بالاقتصاد العراقي نفسه الذي يعتمد على تصدير النفط عبر الخليج.

سياسيًا ودبلوماسيًا، ستتراجع فرص انضمام العراق الكامل إلى "الدائرة العربية"، وقد يواجه بغداد عزلة دبلوماسية مشابهة لما حدث بعد أزمات سابقة. الضغط الخليجي سيستمر لفرض سيادة الدولة على السلاح غير الرسمي، مع إمكانية ربط أي تعاون اقتصادي بضمانات أمنية واضحة. كما أن إقليم كردستان تعرض لضربات مكثفة من هذه الفصائل، مما زاد من التوتر بين أربيل وبغداد وأضعف الثقة بين المكونات العراقية المختلفة. هذا التصدع الداخلي يُعقّد أي جهود لتوحيد الصف الوطني ويضع عبئًا إضافيًا على الحكومة العراقية.

في المحصلة، ما قامت به بعض الفصائل المسلحة لم يكن مجرد رد فعل على أحداث خارجية، بل كان استخدامًا للأراضي العراقية في أجندة إقليمية تجاوزت قرار الدولة السيادي. هذا السلوك هدم الثقة التي بُنيت بشق الأنفس، وفتح الباب أمام تداعيات طويلة الأمد قد تعيد العلاقات العراقية الخليجية إلى مربع الحذر المزمن. استعادة هذه الثقة ليست مستحيلة، لكنها مرهونة بقدرة بغداد على فرض سيادتها الكاملة على كل السلاح داخل حدودها، وتقديم ضمانات عملية بعدم تكرار مثل هذه الهجمات. الجغرافيا والمصالح المشتركة، مكافحة الإرهاب، والطاقة، والتجارة، تفرض استمرار الحوار، لكن بدون حسم داخلي واضح، سيبقى العراق يدفع ثمنًا باهظًا من استقراره وفرصه التنموية. هذه النسخة الآن أنظف وأكثر ترابطًا، مع الحفاظ على التركيز المطلوب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف