في شهر أيار (مايو) من عام 2025، كنت في مطعم حبيب بيروت في البوليفارد بمدينة العبدلي في الأردن، تلبيةً لدعوة زميلة كاتبة على العشاء، وكان برفقتنا أربعة من الزملاء الآخرين.
وخلال انشغالنا بالحديث، انطلق بكاء طفل من الطاولة التي خلفنا مباشرة، ويبدو أن عمره في حدود الثامنة. كان يجلس مع والديه فقط، حاول الأب تهدئته بالملاطفة والتقبيل، بينما كانت الأم تحمله وتهدهده بكلمات حانية.
استمر بكاء الطفل وصراخه لأكثر من 10 دقائق، ولاحظت أنَّ كثيرًا من الجالسين في ساحة المطعم الخارجية كانوا يتذمرون ويرمقون الطفل ووالديه بنظرات استياء، وكأنهم يلومونهم على إفساد سهرتهم وأجواء المكان.
حينها، نهضت من مكاني واتجهت إلى الأستاذ ربيع اللبناني، أحد العاملين في المطعم، وطلبت منه آيس كريم. ثم عدت فورًا إلى الطفل وقدمتها له، فمد إصبعه وغمسه فيها، ثم وضعه في فمه وهو لا يزال يبكي، لكنَّ صوته بدأ يهدأ تدريجيًا. ثم مد الطفل يده نحوي ليأخذ الآيس كريم كاملًا مني، فتوقف عن البكاء تمامًا.
سألت والديه عن سبب بكائه الشديد والطويل، فأخبراني بأنه طفلهما الوحيد، وأنه يعاني من اضطراب (التوحد)، وأنهما نادرًا ما يخرجان به من المنزل، إلا أحيانًا في عطلات نهاية الأسبوع، تفاديًا لمثل هذه المواقف المحرجة مع الناس وإدارة الأماكن التي يزورونها. وأوضحا أنَّ مزاجه كان جيدًا قبل الخروج من المنزل، لكنَّ الزحام في الطريق أثناء وجوده في السيارة غيّر حالته من الهدوء إلى التوتر والضجر.
في تلك اللحظة، كانت الأم تبكي بصمت، فقلت لها: لا داعي للحزن، فالناس في مثل هذه الأماكن لا يعرفون ما يمر به الأطفال وأسباب بكائهم، ويظنون أن ذلك مجرد أمور عابرة. أما أصحاب العقول الراجحة والقلوب الرحيمة، فإنهم يلتمسون الأعذار للطفل ولوالديه، وتكون نفوسهم طيبة تجاههم.


