: آخر تحديث

من التشاور إلى التأثير... أربع دول تُمسك بخيوط المرحلة

4
3
4

في زمنٍ تتزاحم فيه الأزمات، وتتشابك فيه المصالح، لم يعد التشاور ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية تُعيد ترتيب الأولويات، وتمنح الدول القدرة على قراءة المشهد قبل أن يفرض نفسه بالقوة.

ومن هنا، يأتي الاجتماع التشاوري، والذي جمع قبل عدة أيام مضت المملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، والجمهورية التركية، وجمهورية باكستان الإسلامية، لا بوصفه لقاءً بروتوكوليًا عابرًا، بل باعتباره محطة مفصلية في مسار إقليمي ودولي يتشكل على إيقاعٍ متسارع.

المملكة العربية السعودية، التي اعتادت أن تكون نقطة التقاء لا نقطة افتراق، تدير علاقاتها مع هذه الدول الأربع برؤية متوازنة، تُدرك أن الاستقرار لا يُبنى عبر التحالفات الصلبة فقط، بل عبر مساحات التفاهم الواسعة.

ومع مصر، العلاقة ضاربة في عمق التاريخ، تتجاوز حدود السياسة إلى تمازج المصير، تنسيقٌ دائم، ورؤية مشتركة تجاه قضايا المنطقة، وإيمان راسخ بأن أمن القاهرة والرياض امتدادٌ لبعضهما، ولا يمكن فصله أو تجزئته.

أما مع تركيا، فقد شهدت العلاقة تحولاتٍ لافتة في السنوات الأخيرة، انتقلت من التباين إلى التقارب، ومن الحذر إلى الشراكة، واليوم يبدو أن أنقرة والرياض تكتبان فصلًا جديدًا عنوانه المصالح المتبادلة، وإدارة الخلافات بوعيٍ سياسي ناضج.

وفيما يتعلق بباكستان، فالعلاقة ذات طابعٍ خاص، تقوم على عمقٍ استراتيجي وتاريخي، وتُعزّزها روابط دينية وثقافية، فضلًا عن تعاونٍ أمني واقتصادي ممتد. إنها علاقة لا تُقاس بلحظة، بل بسياقٍ طويل من الثقة المتبادلة.

اجتماع هذه الدول الأربع في هذا التوقيت تحديدًا، يحمل دلالاتٍ تتجاوز الحاضر، فهو يأتي في ظل توتراتٍ إقليمية، وتصاعدٍ في حدة الاستقطاب الدولي، وتزايدٍ في محاولات فرض وقائع جديدة على الأرض، ما يجعل من التشاور أداةً لإعادة التوازن، لا مجرد تبادلٍ للآراء.

اللافت في هذا اللقاء، أنه يجمع بين ثقلٍ عربي وإسلامي وإقليمي مؤثر، يمتد من الخليج إلى وادي النيل، ومن الأناضول إلى جنوب آسيا، وهو ما يمنحه بعدًا جيوسياسيًا لا يمكن تجاهله.

ليس الهدف من مثل هذه الاجتماعات إعلان مواقف صاخبة، بل بناء أرضية صلبة لفهمٍ مشترك، يُسهم في تهدئة التوتر، ويمنع انزلاق المنطقة إلى مساراتٍ غير محسوبة.

وفي عالمٍ تتعدد فيه الأزمات، وتغيب فيه أحيانًا لغة الحكمة، تبدو مثل هذه اللقاءات بمثابة رسائل هادئة، لكنها عميقة التأثير والأثر.

خاتمتي:

قد لا تُعلن هذه الاجتماعات كل ما يدور في كواليسها، لكنها تقول الكثير الكثير لمن يُجيد قراءة ما بين السطور.

فالسياسة الحقيقية ليست في رفع الصوت، بل في القدرة على جمعه حول طاولة واحدة، وهنا تحديدًا تبدأ صناعة التوازن.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.