: آخر تحديث

نحو نظام إقليمي جديد

4
3
4

مما لا شك فيه أن النظام الإقليمي العربي المتمثل في جامعة الدول العربية يواجه أزمة وجودية لا تخفى على أحد، ومع تصاعد وتيرة الصراع الأميركي الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة ثانية، وانعكاساته المباشرة على الفضاء العربي، وبصورة خاصة على دول مجلس التعاون الخليجي، وقد برز العجز المؤسساتي العربي واضحًا في صياغة استراتيجية موحدة تحمي المصالح القومية، مما يستوجب من كتاب وسياسيين ومفكري الأمة العربية البحث عن بديل عصري يستجيب لتحديات القرن الواحد والعشرين. وبعد أن استنفذت الجامعة العربية أغراضها بمرور أزيد من 80 عامًا على تأسيسها، وتبدل التحديات وتغير الظروف، صار لزامًا التفكير بجدية في طرح خيارات عملية بديلة تواكب العصر ومتغيراته من أجل ابتكار أدوات القوة الناعمة والاقتصاد التي تسهم في الضغط والتأثير في الملفات الدولية.

إن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من مفهوم الجامعة البيروقراطية المنهكة إلى منتظم إقليمي مرن يعتمد على الواقعية السياسية، ويركز على المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة بدلاً من الشعارات الأيديولوجية، ويعتمد الدبلوماسية الاستباقية لبناء منصة للحوار المباشر لخفض التصعيد الأمني لحماية طرق التجارة والطاقة. ولا بأس في عالم اليوم متشابك المصالح من استقطاب بلدان أفريقية أخرى تتحدث العربية أو من جذور عربية ارتبطت معنا بذكريات حميدة من التاريخ المشترك، وبأي صفة كانت، أعضاء مراقبون أو مشاركون في المنتظم الجديد، والسعي لبناء شراكات وتحالفات متعددة لأجل صياغة علاقات متوازنة مع القوى الدولية المؤثرة تضمن احترام سيادة القرار العربي.

إذا أراد أحد أن يسأل ما مسوغات البحث عن نظام إقليمي جديد في ظل وجود جامعة عربية؟ الجواب إن المواجهات الأخيرة وكذلك التحديات والأزمات السابقة كشفت بأن جامعة الدول العربية ما زالت محاصرة بآليات عمل تعود لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وفي ظل الصدام الراهن بين المحور الأميركي الإسرائيلي وإيران، ظهرت للمتابع الفجوات التالية:

أولاً: غياب المبادرة والانتظار السلبي، إذ تحولت الجامعة إلى منصة إعلامية فقط لإصدار التصريحات التنديدية بدلاً من كونها فاعلاً سياسيًا أو عسكريًا يؤثر في مسار الأزمة.

ثانيًا: تشتت القرار العربي أدى إلى تباين المواقف تجاه النفوذ والأطماع الإيرانية في المنطقة العربية، وهو ما أصاب حالة شلل في اتخاذ موقف عربي صلب يحمي السيادة.

ثالثًا: الارتهان للمسارات التقليدية في عمل الجامعة وطرق اتخاذ القرار وغير ذلك من الأساليب العقيمة التي عفا عنها الزمن.

وكوني كاتبًا سياسيًا ومهتمًا بالعمل العربي المشترك بمفهومه الواسع، أجد نفسي مثل آخرين من الكتاب ينبغي أن أدلو بدلوي في كيفية صياغة مفهوم وآليات لنظام إقليمي جديد يستجيب لتطلعات الشعوب العربية، وقادر على مجابهة التحديات المصيرية، ونسميه مثلاً الاتحاد العربي أو الحلف العربي أو أي اسم آخر، فالمهم هو المحتوى. ولا بأس أن يبتدئ المنتظم بعدد قليل من الدول العربية الفاعلة، سيما وأن الجامعة العربية نفسها تأسست بخمسة أعضاء، والمشاريع الكبرى في التاريخ كانت دومًا تبدأ بفكرة ثم تنتقل إلى تكوين النواة الصلبة التي تستقطب وتجمع من حولها بعد أن تتضح مساراتها وأهدافها وآلياتها.

وأعتقد من وجهة نظري أن المشروع الجديد لا بد أن ينطلق من دولة تكون هي الحاضنة والمقر له، وأقترح في هذا الصدد أن تكون دولة الإمارات العربية المتحدة، ولربما هناك من يعترض محتجًا بحجم الدولة أو مدى مساحتها وإلى آخره من الكلام غير المجدي، ففي عصر الرقمنة والثورة التكنولوجية والاتصالات لم يعد كبر أو صغر الدولة هو المعيار لقياس قوتها وقدرتها على التأثير في المحيط، وأن العناصر التي أجدها تؤهل الإمارات العربية لاستضافة الكيان العربي الجديد، والذي سوف يشكل نقلة نوعية في فضاء العمل العربي المشترك، هو ما تمتلكه الإمارات العربية من مزايا فريدة نوجزها على النحو التالي:

1- نموذج الاستقرار والاعتدال الذي قدمته الإمارات طوال أزيد من 55 عامًا اتسم بمكافحة التطرف والفكر الإخواني الهدام، ودعم الاستقرار في العالم العربي، ونشر قيم التسامح والحوار الإنساني ونبذ العنف، مما شكل منها نموذجًا تنمويًا ناجحًا لدولة عصرية قادرة على نسج علاقات دولية متوازنة وفعالة مع جميع الأطراف الدولية، لتكون أرضًا محايدة تقوم بأدوار الوساطة والمساعي الحميدة.

2- مركزية الثقل الاقتصادي، وبفضل بنيتها التحتية التنافسية العالمية القوية وامتلاكها ثاني أكبر صندوق سيادي في العالم، أصبحت مركزًا تجاريًا دوليًا ولوجستيًا يمكنها تحويل العمل العربي من سياسي تنظيري إلى عمل تنموي منظم.

3- الريادة التقنية والمستقبلية، في دولة تستضيف منتظمًا عربيًا رائدة في نطاق الذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء، يمنح النظام العربي حيوية على محاكاة المستقبل.

4- الدبلوماسية النشطة لدولة الإمارات العربية أثبتت قدرتها العالية ومرونتها وحنكتها على التعامل بكفاءة مع أزمات المنطقة، مما يوفر للمنتظم الجديد غطاء دبلوماسيًا قويًا وموثوقًا دوليًا.

إنَّ الرهان على هياكل متهالكة في ظل حرب إقليمية مستعرة هو مغامرة خطرة بمستقبل المنطقة العربية.

وأن استضافة دولة الإمارات لمقر منظمة إقليمية جديدة ليس تغييرًا في الجغرافية أو انتقاصًا من أهمية ودور بلدان عربية لها تاريخ وإسهامات حضارية، الإمارات لا تنافس أحدًا بل هي في كل خطابها السياسي تبحث عن التكامل والمشتركات وتفعيل آليات العمل العربي وفقًا للمعطيات وطبيعة العصر، وأن هذه الانتقالة إن حصلت ستكون بمثابة تغيير في طريقة التفكير العربية من السكون إلى الحركة، ومن التشرذم إلى الوحدة المبنية على المصالح والازدهار.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.