: آخر تحديث

الحرس الثوري ينقلب على بنية الدولة؟

4
5
5

ليست معضلة إيران في تعدد مراكز القرار، بل في وجود مركز خفي يملك القدرة على إعادة تعريف الدولة نفسها. خلف المؤسسات الرسمية التي تُقدَّم بوصفها واجهة الحكم، يقف الحرس الثوري كقوة موازية، لا تكتفي بحماية النظام، وإنما تعيد تشكيله وفق منطقها الخاص. هنا لا نتحدث عن جهاز عسكري تقليدي، بل عن بنية متكاملة تشبه دولة داخل الدولة، تمتلك أدواتها السياسية والاقتصادية والأمنية، وتتحرك بهامش يفوق أي مؤسسة أخرى.

منذ الثورة الإيرانية، أُنشئ الحرس بوصفه حارسًا للعقيدة، لا مجرد ذراع للدولة. هذه النشأة منحته شرعية استثنائية، جعلت وجوده مرتبطًا ببقاء النظام ذاته. غير أن التحول الحاسم في موقعه جاء لاحقًا، بعد الحرب العراقية الإيرانية، حين خرج من الحرب ليس فقط كقوة عسكرية صلبة، بل كفاعل سياسي صاعد. في تلك اللحظة، تكرس اقترابه من منظومة ولاية الفقيه، واكتسب من هذا القرب غطاءً أيديولوجيًا وسياسيًا منحه نفوذًا أوسع داخل بنية الحكم.

هذا التقاطع بين السلاح والعقيدة لم يبقَ في حدوده التقليدية. تدريجيًا، تمدد الحرس داخل مؤسسات الدولة، فحضر في البرلمان، وتأثيره واضح في دوائر القرار السيادي، من البرنامج النووي إلى السياسات الإقليمية. لم يعد مجرد منفّذ للسياسات، بل شريكًا في صياغتها، وأحيانًا محددًا لمساراتها. هذا التمدد لم يكن صداميًا بقدر ما كان تراكميًا، عبر شبكة من التفاهمات والصفقات مع أجنحة مختلفة داخل النظام، ما أنتج توازنًا هشًا يقوم على تبادل المصالح أكثر من وضوح الصلاحيات.

في موازاة ذلك، بنى الحرس اقتصادًا خاصًا به، يمتد من المشاريع الكبرى إلى شبكات الظل. هذا الاقتصاد ليس تفصيلاً ثانويًا، بل أحد أهم مصادر قوته. إذ إن حالة التوتر والعقوبات وفّرت له بيئة مثالية لتوسيع نفوذه المالي، بعيدًا عن قواعد السوق المفتوحة أو المنافسة الدولية. ومن هنا يمكن فهم حساسيته تجاه أي انفتاح محتمل على الخارج، خاصة مع الولايات المتحدة، حيث لا يعني الانفراج مجرد تحسن سياسي، بل دخول لاعبين جدد، وفرض قواعد شفافية، وتقليص امتيازات تراكمت خلال سنوات العزلة.

بهذا المعنى، يصبح الحرس لاعبًا يعيد رسم المسارات كلما اقتربت إيران من تسوية. موقعه داخل المنظومة، وقدرته على التأثير في ملفات متعددة، يمنحانه ما يشبه حق النقض غير المعلن. لذلك، لا يبدو مستغربًا أن تتعثر مسارات التفاوض في لحظات حاسمة، أو أن تتزامن مع تصعيدات ميدانية تعيد خلط الأوراق. هذه ليست بالضرورة قرارات معزولة، بل انعكاس لبنية ترى في الاستقرار الكامل تهديدًا مباشرًا لنفوذها.

المعضلة الأعمق تكمن في طبيعة التحول المطلوب. أي تغيير حقيقي في خطاب إيران، باتجاه البراغماتية والانفتاح، يعني إعادة ترتيب الأولويات داخل النظام، من منطق الثورة إلى منطق الدولة. هذا التحول، إذا ما أخذ مداه، سيقود حتمًا إلى تقليص دور الحرس وإعادة تعريف موقعه. وهنا تحديدًا تتشكل مقاومته: ليس دفاعًا عن أيديولوجيا فحسب، بل عن شبكة مصالح سياسية واقتصادية تشكلت عبر عقود.

في ضوء ذلك، يبدو الحرس اليوم أحد أبرز معوقات أي حل دبلوماسي شامل لأنه يدرك أن نتائجه قد تحمل في طياتها تغييرًا في موازين القوة داخل النظام. لذلك، يعمل على إدارة هذا التفاوض بما يضمن بقاءه ضمن حدود لا تمس جوهر نفوذه، أو يدفعه إلى مسارات متعثرة تُبقي الوضع في حالة "لا استقرار محسوب".

الخلاصة التي تفرض نفسها أن أي حديث عن انفتاح إيراني، دون معالجة موقع الحرس داخل بنية الحكم، يظل حديثًا ناقصًا. يمكن للتفاهمات أن تُوقَّع، وللقنوات أن تُفتح، غير أن بنية القرار ستظل رهينة فاعل يملك القدرة على تعطيلها أو إعادة توجيهها. ومن دون إعادة توازن حقيقية داخل النظام، ستبقى إيران تدور في الحلقة ذاتها، حيث تُنتج الأزمات بقدر ما تسعى إلى احتوائها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.