: آخر تحديث
حين يصبح التلقين سلاحًا للسلطة:

صناعة القطيع المعرفي

5
5
4

تبدو القضية التربوية في مجتمعاتنا اليوم وكأنها معركة صامتة بين عقل يراد له أن ينطلق، ومنظومة تصر على تصفيده بالأغلال، حيث تبرز معضلة التلقين كقضية حاسمة لا تمس فقط جودة التعليم، بل تمس جوهر الهوية والمستقبل. إن ما يحدث في قاعات الدرس ليس مجرد نقل للمعلومات، بل هو عملية هندسة اجتماعية متعمدة، تعلي من شأن الحفظ باعتباره قمة الهرم القيمي، وتتعامل مع التفكير النقدي بوصفه خطرًا داهمًا يهدد استقرار الأفكار والقوالب الجاهزة. هذا الاختيار المنهجي ليس وليد الصدفة، بل هو استراتيجية سلطوية تدرك تمامًا أن العقل الذي يسأل هو عقل يصعب ترويضه، لذا تستبدل ملكة الفهم بملكة الاسترجاع، ويصبح الطالب المثالي هو الأكثر قدرة على استنساخ إجابات الماضي لا على ابتكار أسئلة الحاضر.

إننا أمام صناعة ممنهجة للجهل المتعلم، حيث يتضخم حجم المعلومات في العقول بينما تضمر القدرة على تحليلها، فيتحول التعليم من رحلة استكشاف إلى طقس من طقوس الطاعة الفكرية. السلطات التي تخشى التغيير تجد في التلقين الدرع الواقي، فهي لا تريد علماء يفككون الواقع ويعيدون بناءه، بل تريد مرددين يمنحون الشرعية للموروث دون فحص. وبهذا يتحول التعليم إلى عملية حقن مستمرة للوعي الزائف، حيث يكافأ الصبية على قدراتهم التخزينية وتُصرف الجوائز لمن يجيد الترديد، بينما يدفع المفكر الحقيقي إلى الهامش، لأنه يرفض أن يكون مجرد وعاء لتجارب الآخرين.

هذا التغييب المتعمد للعقل النقدي ينتج أجيالًا تعاني من العجز الإدراكي، فهي تعرف ماذا تقول لكنها لا تدرك لماذا تقوله، مما يجعلها لقمة سائغة لأي فكر شمولي أو تضليل إعلامي. إن تكريس التلقين هو في الحقيقة إعلان وفاة للإبداع، لأن الإبداع يبدأ من حيث تنتهي المسلمات، بينما التلقين يبدأ وينتهي عند تقديسها. وبمرور الوقت، يتحول المجتمع إلى قطيع معرفي، يمتلك أعلى الشهادات لكنه يفتقر إلى أبسط أدوات المنطق، ليظل السؤال المعلق في أروقة وزارات التربية والتعليم: هل نحن بصدد بناء عقول تبني المستقبل، أم إننا نقوم بترميم سجون فكرية نطلق عليها زورًا مسمى مدارس وجامعات؟ إن الكارثة الحقيقية تكمن في أننا لا ننتج الجهل بالصدفة، بل نزرعه بعناية فائقة، ثم نتساءل بكل براءة عن أسباب تخلفنا عن ركب الحضارة، متناسين أن الحضارة لا تبنى بمن يحفظون التاريخ، بل بمن يمتلكون الشجاعة لنقده وصناعته.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.