ليس من الدقة أن تُستعاد صور الظرفاء في قصور الأمويين والعباسيين بوصفها مجرد حيلٍ للكدية أو وسائل خفيفة لاجتذاب العطاء، لأن شخصية مثل أبي دلامة، أو أشعب، أو أبي العبر، أو سديف، لم تكن في سياقها التاريخي مجرد انحدار سلوكي بقدر ما كانت جزءًا من بنية ثقافية تسمح بوجود الهزل بوصفه متنفسًا، وتُبقي على مسافة بين السلطة والجد، بحيث يتحول الضحك أحيانًا إلى أداة تخفيف، وأحيانًا أخرى إلى نقدٍ مستتر، وإن جاء مغلفًا بخفةٍ تُرضي الحاكم وتستدر عطاءه.
غير أن الذي يتأمل المشهد المعاصر، ولا سيما في فضاءات البث المباشر ومنصات التفاعل المفتوح، يلحظ تحولًا مقلقًا في طبيعة هذا الظرف، إذ لم يعد قائمًا على ذكاء لغوي أو حيلة أدبية أو سرعة بديهة كما كان في نماذج التراث، بل أصبح في كثير من صوره قائمًا على تسطيح الوعي، واستدرار التعاطف عبر تمثيلٍ فجٍّ للسذاجة، أو مبالغةٍ في إظهار العجز، أو حتى افتعال مواقف تقترب من العبث الطفولي. حبذا لو كانت هذه الممارسات مجرد حالات فردية عابرة، لكنها، في واقعها، أخذت تتكرر حتى غدت نمطًا سلوكيًا يُكافأ عليه بالمتابعة والهبات، وكأن السوق الرقمية قد أعادت إنتاج الكدية في صورة أكثر علنية وأشد تأثيرًا.
وإذا كان الظرفاء في الماضي يتحركون داخل إطار نخبة محدودة، ولا سيما أنهم كانوا جزءًا من مجالس مغلقة لا تتجاوز حدودًا معينة، فإن ظرفاء اليوم يتحركون في فضاء مفتوح، يراه الصغير قبل الكبير، ويتلقاه الناشئ بوصفه سلوكًا ممكنًا لتحقيق الربح السريع، وهنا مكمن القلق الحقيقي، لأن المسألة لم تعد متعلقة بسلوك فردي يُضحك لحظةً وينتهي، بل بنموذجٍ يُعاد إنتاجه أمام الأجيال بوصفه طريقًا مختصرًا للكسب، لا يحتاج إلى علم ولا مهارة ولا جهد، وإنما يكفي فيه أن يتخلى الإنسان عن قدرٍ من وقاره ليحصل على ما يريد.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تُحدث انزياحًا في معايير القيمة الاجتماعية، بحيث يتحول الجهد الحقيقي إلى خيارٍ بطيء لا يجذب الانتباه، بينما يصبح الأداء السطحي الساخر، مهما كان هابطًا، أكثر قدرة على الانتشار، وهذا الانزياح، ولا سيما إذا استمر دون نقدٍ أو تقويم، قد يرسّخ في وعي الجيل القادم أن الكدية ليست عيبًا بل مهارة، وأن التخفف من المسؤولية ليس نقصًا بل ذكاء اجتماعي، وهي معانٍ لو ترسخت لأفرغت العمل من معناه، وأضعفت قيمة الإنجاز، وأعادت تشكيل الطموح في صورته الدنيا.
ومع ذلك، لا ينبغي أن ننزلق إلى التعميم القاسي، لأن الفضاء ذاته الذي يُنتج هذه النماذج يحمل في داخله نماذج أخرى ناضجة تقدم محتوى راقيًا وتثبت أن التأثير لا يُشترى بالابتذال. حبذا لو أُبرزت هذه النماذج، ودُعمت، وقُدمت بوصفها البديل الممكن، حتى تتوازن الصورة، ولا يُترك المجال مفتوحًا لنمطٍ واحد يفرض منطقه على الذائقة العامة.
إن المسألة، في جوهرها، ليست صراعًا بين الضحك والجد، ولا بين الطرافة والرصانة، بل هي سؤال عن الحد الذي يتحول عنده الضحك من أداة إنسانية نبيلة إلى وسيلة امتهانٍ للذات، وعن اللحظة التي ينقلب فيها الظرف من ذكاءٍ اجتماعي إلى تسولٍ معلن، وإذا لم يُطرح هذا السؤال بجدية، فإن إعادة إنتاج الكدية في صورتها الحديثة لن تبقى مجرد ظاهرة عابرة، بل قد تغدو، لا سمح الله، ثقافةً متداولة، تُعيد تعريف النجاح بغير معاييره الحقيقية.

