كان، ولا يزال، وسيبقى نظام الملالي رأس الفتنة والدمار والخراب في المنطقة بشكل خاص، والعالم بشكل عام، ومن دون استئصال شأفته، فإن الحديث عن الأمن والسلام مجرد أحلام عصافير، وليس أي شيء آخر.
حالة الخوف التي انعكست على المنطقة والعالم من جراء الآثار والتداعيات التي خلفتها وتخلفها الحرب الجارية منذ 28 شباط (فبراير) 2026، تجسد مرة أخرى حقيقة الدور المشبوه الذي اضطلع به هذا النظام الأفّاق منذ تأسيسه ولحد الآن، وكيف إنه بنى وجوده على أساس إرعاب وابتزاز المنطقة والعالم، وسعيه المفرط من أجل بناء إمبراطورية دينية متطرفة ذات بعد وعمق طائفي لا غبار عليه، وإن استهدافه لبلدان المنطقة، ولاسيما الخليجية منها، والتي تعتبر النموذج والمثال الإيجابي للدولة الحديثة للعالمين العربي والإسلامي، أتى ويأتي مما ذكرناه آنفًا.
مهم جدًا إيقاف هذه الحرب، بل وحتى إن ذلك مطلب ملح، لكن الأهم من ذلك، هو التأسيس من أجل وضع حد للسياسات المشبوهة لنظام الملالي التي لا تُخرج المنطقة من حرب أو أزمة حتى وتدخل في أسوأ منها، وسيبقى الحال كذلك مهما بقي هذا الكابوس المسمى ولاية الفقيه، وإن الوساطة التي تقوم بها كل من تركيا وباكستان ومصر، ليست من أجل مصلحة شعب إيران وشعوب المنطقة، وإنما من أجل كوابيس لكل واحد منهم.
تركيا المكتوية بالمشكلة الكردية، وتحاول جهد إمكانها أن تحد وتؤطر من بروز الدور الكردي وزيادة تأثيره، خصوصًا وإنها، وبعد أن أدى تدخلها المشبوه في سوريا ضد الكورد، "وكذلك الدعم العربي غير المسبوق الذي جرى بنفس السياق"، لكن، وبعد أن فوجئوا بأن تلك المؤامرة قد وحدت الكورد في العالم كله، وباتوا في كل مكان يعلنون وقوفهم إلى جانب أبناء جلدتهم في سوريا، فقد اضطروا إلى تخفيف حدة المؤامرة وعدم السير بها إلى ما كان قد سار به العراق أيام اتفاقية 5 آذار (مارس) بين صدام حسين وشاه إيران في الجزائر.
قبل إعلان هذه الوساطة، أقيم في منطقة راين آوا في مدينة بون الألمانية احتفال من قبل الكورد بمناسبة عيد النوروز، وكان مقدرًا أن يشارك فيه 50 ألف شخص، لكن العدد تجاوز ذلك إلى أكثر من 100 ألف، وقد قدموا من دول أوروبية مجاورة، بل وحتى بعيدة، وكل نشاط من هذا النوع تتابعه تركيا عن كثب، ولأنه كان هذه السنة أقوى وأكبر من السنين السابقة، ولاسيما حيث كان الجميع يحملون أعلامًا كردية، ولأنه قد تم تسليط الأضواء كثيرًا على دور كردي محتمل في الأحداث والتطورات الجارية في إيران، فإن تركيا اعتبرت، وتعتبر، نفسها المعنية بهذه الحرب واحتمالاتها كما فعلت مع حربي الخليج، ولذلك فإن الوساطة الثلاثية التي تقود قافلتها تركيا تضع مشكلة الأقليات القومية في إيران نصب أعينها، وتعتبرها جوهر القضية التي تعاني منها.
أما باكستان، فإن الهم البلوشي هو ما يقض مضجعها، إذ إنهم موزعون بين إيران وبينها، ولأنهم يناضلون من أجل نيل حقوقهم المشروعة ضد إيران وباكستان على حد سواء، ولاسيما وإن نشاطاتهم ضد نظام الملالي متزايدة ومضطردة بصورة ملفتة للنظر، فإنها، كتركيا، تتخوف من مآلات الأوضاع في إيران من جراء هذه الحرب، وآفاق تأثيراتها على قضية البلوش، ولذلك فإن همها مشابه للهم التركي.
أما مصر، فقصتها قصة فيها بعض من الإثارة المضافة بنوع من الغرابة، إذ وفي الوقت الذي تقف الحكومة المصرية والرئيس عبدالفتاح السيسي إلى جانب بلدان الخليج في مواجهتهم للاعتداءات الإيرانية عليهم في الحرب الدائرة، فإنه إلى جانب أن هناك أيضًا أقلامًا رسمية يقف بعض منها إلى جانب الدول الخليجية، إلا أن الخط العام لهذه الأقلام، وللخبراء العسكريين المصريين الذين يتحدثون إلى وسائل الإعلام العربية، يقف إلى جانب نظام الملالي، حيث يقومون حتى بتبرير هجماته على البلدان الخليجية، ويتكلمون بصورة وأسلوب لا يختلف البتة عن نظائرها في إيران، ولذلك فإن مصر، وإن كان دورها من أجل وضع حد للدمار الذي يصيب بلدان الخليج من هذه الحرب، إلا إنها أيضًا تشاطر الهمين التركي والباكستاني، خصوصًا وإن عينها على سوريا والعراق.
من دون شك، إن هموم هذه الثلاثية تلتقي أيضًا مع هم رضا بهلوي الذي يرى في هذه الحرب المدمرة ثمة طريق له للعودة إلى السلطة، ولو كان على أساس دمار وخراب إيران كلها، إلا إنه يعلن أيضًا موقفه "العنصري" الرافض بصورة قطعية لمطالب الأقليات القومية في إيران، وبشكل خاص للكورد، حيث يتحامل عليهم أكثر من غيرهم في مواقفه المعلنة، وبطبيعة الحال فإننا يجب أن لا ننسى بأن نظام الملالي يشاطر الوساطة الثلاثية وسلفهم الشاه محمد رضا بهلوي ضد حقوق الأقليات.
والملاحظة التي يجب أخذها بنظر الاعتبار هي أن الطرف الوحيد الذي ينظر نظرة واقعية لمشكلة الأقليات القومية والدينية في إيران، ويأخذها بنظر الاعتبار، منظمة مجاهدي خلق، والتي أعلنت بصفتها معارضة تمثل كل أطياف الشعب الإيراني، عن اعترافها بالحقوق المشروعة للقوميات المختلفة في إطار إيران موحدة، وإن طرحها نموذج الحكم الذاتي للكورد، والذي تم إقراره من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية منذ عام 1981، يجعلها مختلفة بزاوية مقدارها 180 درجة عن النظام وعن ذلك الحالم بالسلطة، بل وحتى عن طرفين في ثلاثية الوساطة، إذ إن الحل يكمن في الاعتراف بالمشكلة، وليس التهرب منها أو رفضها!


