: آخر تحديث

أبناء جلدتنا المتأيرنون

6
6
5

في حياتي، وأنا أتجوّل بين الجبهات، من غبار الفلوجة إلى رماد صنعاء طوال أكثر من ثلاثة عقودٍ عجاف، لم أكن أبحث فقط عن الرصاصة ومن أطلقها، بل عمّن يصفّق لها.

هناك دائمًا رجلٌ لا يحمل بندقية، لكنه أخطر من حاملها، لا يقاتل، لكنه يبرر القتال، لا يموت، لكنه يوزّع الموت نظريًا بابتسامةٍ خبيثة، هذا الرجل هو المتأيرن.

المتأيرنون كائنات لا يمكن تعريفها بجغرافيا، لا يسكنون دولة، بل يسكنون فكرة، لا ينتمون إلى أرض، بل إلى سردية خزعبلاتية، هو عربي بالاسم، لكنه مؤدلج بالاتجاه، يعيش بين أهله، لكنه يتنفس خارجهم، يرفع شعاراتٍ كبيرة، بينما حياته اليومية أحقر بكثيرٍ من تلك الشعارات.

تعرفت عليهم كثيرًا، ليس في طهران، بل في بغداد، في بيروت، في صنعاء، في دمشق، وحتى في بعض المقاهي المكيّفة في الخليج العربي مع الأسف، يجلسون بأناقة، يحملون هواتف ذكية، يتحدثون عن "الهيمنة" و"التحرير" و"الكرامة" وكأنهم جزءٌ من مجلس حرب، بينما هم في الحقيقة جزءٌ من ضجيجٍ رقمي لا يغيّر شيئًا على الأرض.

أحدهم قال لي بثقة من يملك مفاتيح التاريخ: إيران تصنع توازن الردع في المنطقة.

نظرت إليه طويلًا، لم أجادله، لأنني كنت قد رأيت "توازن الردع" بأم عيني في بيوتٍ مهدمة، وفي وجوه أطفالٍ لا يعرفون لماذا أصبحوا أرقامًا في نشرات الأخبار. أدركت حينها أن المشكلة ليست في الجملة، بل في المسافة بين من يقولها ومن يدفع ثمنها.

المتأيرن لا يرى الضحايا، يرى فقط السردية، ولا يسمع صراخ الناس، يسمع فقط خطاب المرشد، ولا يعيش الواقع، يعيش نسخةً مؤدلجةً منه.

والمفارقة أنه يعتقد أنه الأكثر وعيًا، هو لا يناقش، يحاكم، لا يسأل، يصنّف.

في قاموسه: إما أنك "مع المقاومة"، أو "خائن"، إما أنك "فاهم اللعبة"، أو "مغفل"، لا مكان للشك، لأن الشك يحتاج شجاعة، وهو يفضل اليقين الجاهز، حتى لو كان وهمًا.

في إحدى المرات، كنت في تغطيةٍ ميدانية، أتنقل بين ركام الفلوجة، المدينة التي فقدت ملامحها أكثر من مرة، كان المشهد صامتًا إلا من أنينٍ خافت. في المساء، فتحت هاتفي، فوجدت أحد المتأيرنين يكتب بحماس: هذه تضحيات ضرورية في سبيل المشروع.

ضحكت، ليس استهزاءً، بل دهشةً، كيف يمكن لإنسان أن يحوّل الألم إلى شعار؟ كيف يمكن للدم أن يصبح مادة تحليلٍ بارد؟

تساءلت: ضرورية لمن؟

للطفل الذي فقد ساقه؟

أم للرجل الذي فقد بيته؟

أم للمرأة التي فقدت كل شيء؟

أم للخطاب الذي يحتاج دائمًا إلى وقودٍ بشري ليستمر؟

المتأيرنون لا يحبون التفاصيل، لأنها تفضح التناقض، هم يفضلون العناوين الكبيرة، لأنها تخفي العيوب الصغيرة، ومن خبرتي الطويلة، أخطر ما في المتأيرن ليس ولاءه، بل يقينه، هو لا يتردد، لا يعيد التفكير، لا يراجع، كلما ازداد الواقع تعقيدًا، ازداد هو تبسيطًا.

المتأيرن يشبه لاعب شطرنج يرى نقلةً واحدة، لكنه يتحدث وكأنه يقرأ عشر نقلاتٍ قادمة، يحرك قطعة، يخسر الرقعة، ثم يعلن أن الخسارة جزءٌ من "الخطة الكبرى".

والمفارقة الساخرة أن كثيرًا منهم يتحدث عن "الكرامة الوطنية" وهو يستورد مواقفه بالكامل، حتى غضبه ليس أصيلًا، حتى حماسه مستعار، هو مجرد صدى، لكنه يظن نفسه صوتًا.

في إحدى الحوارات، سألت أحدهم: لو تغيّرت موازين القوة، هل ستبقى على نفس موقفك؟

ابتسم بتوتر، وغيّر الموضوع، لأن المتأيرن لا ينحاز لمبدأ، بل لقوةٍ يظنها دائمة، هو لا يتبع فكرة، بل يتبع شعور الانتماء إلى المنتصر.

وهنا تكمن الحكاية:

المتأيرنون ليسوا مجرد ظاهرة سياسية، بل حالة نفسية مركّبة.

بحث دائم عن معنى، عن دور، عن هوية، وحين لا يجدها في محيطه، يستوردها جاهزة، ويذوب فيها حتى يختفي، هو لا يرى أنه فقد نفسه، بل يعتقد أنه وجدها.

لكن الحقيقة أبسط وأقسى:

من يتخلى عن وعيه، لا يمكن أن يدّعي امتلاك قضية، ومن يستعير صوته، لن يصنع تأثيرًا حقيقيًا.

وفي نهاية كل هذا الضجيج، يبقى السؤال معلقًا:

هل المتأيرنون يؤمنون فعلًا بما يقولون، أم أنهم فقط يحتاجون إلى قصةٍ أكبر من حياتهم ليصدقوا أنهم مهمون؟

ربما الإجابة لا تهم، لأن النتيجة واحدة:

ضجيجٌ كثير، وواقعٌ لا يتغير، وقطار الواقع لا يتوقف في محطات الأوهام.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.