منذ سنواتٍ طويلة، وإيران تلعب لعبةً خطيرةً تهدد كل دول المنطقة، والأكيد أن إيران كانت تنتظر الفرصة المناسبة لتنفيذ مشاريعها في المنطقة بالقوة العسكرية التي لا يمكن الاستهانة بها، فمرحلة الأطماع الإيرانية في المنطقة لم تكن وليدة اللحظة، بل هي مشروعٌ طويلٌ اصطدم في بداياته بالحرب مع العراق التي استطاع فيها العراق تجاوز تلك الحرب بنصرٍ كبيرٍ أعاد إيران إلى الخلف سنواتٍ طويلة.
لا أحد ينكر أن العراق كدولةٍ في تلك الفترة، وتلك الظروف، أدى دورًا مهمًا في تحجيم الأطماع الإيرانية والتقليل من خطر الإرهاب الإيراني. عادت إيران مجددًا بعد أن زال الخطر العراقي لتنفيذ مخططاتها، وتجمع قواها وتجهز عدة وعتاد الحرب من خلال تصنيع السلاح والصواريخ، بل الأسوأ من ذلك المضي في برنامجها النووي، وكل ما تحتاجه الحرب القادمة في المنطقة، أو تهديد المنطقة وفرض الهيمنة عليها.
فالأسلوب الذي كانت تدار به السياسة الإيرانية مرتبطًا باعتقاداتهم الدينية التي تضمر العداوة أولًا لدول المنطقة التي اختارت تحالفاتها الدولية، والتي يعتبرها الإيرانيون في عداوةٍ معها، ومن هذا المنطلق العقائدي الذي يشكل في جوهره وظاهره إرهاب دولة، يجعل المنطقة تعيش في دوامةٍ من عدم الاستقرار. الكل في المنطقة اليوم يسعون لحل هذه الأزمة مع كل الأطراف، فالتفاهمات الدبلوماسية واضحة، وخاصة من الجانب السعودي بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ووزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، لتجنيب المنطقة صراعاتٍ لن تكون نتائجها جيدةً على دول المنطقة، بدليل ما يحدث اليوم في بعض دول الخليج التي تضررت على كافة المستويات من هذا السلوك الإيراني الإرهابي.
والغريب أن المسؤولين الإيرانيين يتحدثون باستمرار عن السلام مع دول الجوار، ولا نعرف ما هو هذا السلام الذي يقصدونه وصواريخهم ومسيراتهم تزور دول الخليج بشكلٍ يومي. ندرك جيدًا في الخليج الخطر الإيراني، لكن لم يصدر عن الخليجيين في يومٍ من الأيام أي سلوكٍ يدفع إلى الحرب مع إيران، حتى وهي تعتدي على الخليجيين، ما زال الخليج يعمل بسياسة ضبط النفس ومحاولة وضع الحلول الدبلوماسية والبقاء ضمن إطار طاولة المفاوضات، لكن القيادة السياسية المتهورة في إيران ما زالت تسير عكس الاتجاه.
وفي الحقيقة أن المنطقة لن تكون آمنةً كما يجب طالما هناك سياساتٌ تدميريةٌ يديرها النظام الإيراني الحالي، وأطماعٌ جغرافيةٌ ضمن الملفات السياسية الإسرائيلية، لذلك فإن الجهود السلمية اليوم في المنطقة مرتبطةٌ وبشكلٍ مباشرٍ بردة فعل دول المنطقة التي تعاني سلوكيات هاتين الدولتين. تجنيب المنطقة لأزمةٍ كبيرةٍ كاندلاع الحروب والصراعات هو أمرٌ إيجابي يجب التكثيف منه مع محاولة دعم كل الأفكار التي ممكن أن تكون سببًا في عزل الخطر الإيراني والإسرائيلي عن المنطقة، فالعمل السياسي المتزن الذي يسير في المسار السلمي يحتاج صبرًا وجهدًا وحكمةً وذكاءً، وفي نهاية المطاف هناك من سيستجيب إما عندما يشعر بالتهور، وأن الطريق أصبح أكثر خطورةً، ويكون قرار التوقف إجباريًّا بعد أن خسر الكثير من قوته وصبره، وحينها ستصبح الأمور أكثر وضوحًا وسهولةً في التفاوض، وأعتقد أن الطرف الأكثر تضررًا منذ أن بدأت الحرب على إيران حتى الآن هما إيران في المقام الأول ثم إسرائيل، وكلتا الدولتين ستتوقفان قريبًا بعد أن وصلتا إلى المستوى الأكثر خطورةً من الخسائر، والساسة في الخليج تعاملوا مع هذه الحرب بحكمةٍ وذكاء، وسيخرجون من هذه الأزمة بدروسٍ كثيرةٍ مستفادةٍ ستنعكس على مستقبل المنطقة. ما حك جلدك مثل ظفرك.
ليس مهمًا أن يكون القط أبيض، أو أسود؛ وإنما المهم أن يصيد الفئران.


