: آخر تحديث

هل أفسدت التقنية العيد؟

7
5
6

كلما اقترب العيد، تتجه القلوب تلقائيًا نحو الفرح، وكأن في هذه المناسبة قدرةً عجيبةً على إعادة ترتيب المشاعر وإيقاظ البهجة في النفوس. فالعيد ليس مجرد يومٍ يتكرر في التقويم، بل مساحةٌ إنسانيةٌ واسعةٌ تتجدد فيها معاني اللقاء، وتُستعاد فيها حرارة العلاقات التي قد تبهت تحت ضغط الأيام.

غير أن السؤال الذي يتردد كثيرًا في السنوات الأخيرة هو: هل أفسدت التقنية العيد؟

سؤالٌ يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل في داخله حنينًا خفيًا إلى زمنٍ كانت فيه تفاصيل العيد مختلفة، وربما أكثر قربًا من القلب.

ففي الماضي، كان العيد يبدأ بخطواتٍ إنسانيةٍ بطيئةٍ لكنها عميقة. فكان الناس يخرجون إلى صلاة العيد، ثم تبدأ زيارات التهاني بيتًا بعد بيت، بالمصافحة والعناق والجلوس في المجالس وتبادل الأحاديث الطويلة، كلها كانت تشكّل نسيجًا اجتماعيًا يملأ العيد دفئًا وحضورًا.

فكانت التهاني تُقال مباشرةً، والابتسامات تُرى في الوجوه لا في الشاشات. وكان الطريق إلى بيوت الأقارب جزءًا من طقوس العيد نفسها. فتلك الخطوات التي كانت تُقطع بين بيتٍ وآخر كانت تحمل معها شيئًا من المحبة التي لا تختصرها رسالةٌ قصيرة.

لكن العالم تغيّر، ودخلت التقنية إلى كل تفاصيل حياتنا. ومع هذا التحول الكبير، تغيّرت أيضًا بعض ملامح العيد. فاليوم يمكن للإنسان أن يهنئ مئات الأشخاص خلال دقائق عبر رسالةٍ واحدة، ويمكن لصورةٍ أو مقطعٍ قصير أن ينتشر في لحظاتٍ بين آلاف الهواتف.

فلقد جعلت التقنية المسافات أقصر، لكنها في أحيانٍ كثيرة جعلت اللقاءات أقل. فبعض الناس اكتفى برسالة تهنئةٍ سريعة بدل زيارةٍ كانت في الماضي جزءًا من روح العيد. وصار التواصل الرقمي أحيانًا بديلًا عن اللقاء الإنساني الذي يمنح العيد معناه الحقيقي.

غير أن تحميل التقنية وحدها مسؤولية هذا التغيير قد يكون حكمًا متعجلًا. فالتقنية في ذاتها ليست خصمًا للمشاعر، بل هي مجرد أداة، يتحدد أثرها بحسب طريقة استخدامنا لها.

ففي كثيرٍ من الأحيان كانت التقنية سببًا في توسيع دائرة الفرح. فقد أصبح بإمكان الإنسان أن يشارك تهاني العيد مع أصدقاء وأقارب في بلدانٍ بعيدة، وأن يسمع أصواتهم ويرى وجوههم في لحظاتٍ لم تكن ممكنة في الماضي. وهكذا تحولت التقنية في بعض الأحيان إلى جسرٍ يعبر عليه العيد نحو مسافاتٍ أبعد.

والمشكلة إذن ليست في التقنية نفسها، بل في الطريقة التي نسمح لها بها أن تعيد تشكيل علاقاتنا. فإذا تحولت إلى بديلٍ عن اللقاء، فقدت المناسبة شيئًا من روحها. أما إذا بقيت وسيلةً مساندةً للتواصل، فإنها يمكن أن تضيف إلى العيد بعدًا جديدًا.

حيث يبقى العيد في جوهره تجربةً إنسانيةً قبل أن يكون مناسبةً اجتماعية. إنه لحظةٌ يلتقي فيها الناس بقلوبهم قبل كلماتهم. ولذلك فإن أجمل ما في العيد ليس الرسائل التي تُرسل، بل الأيدي التي تتصافح، والوجوه التي تتقابل، والضحكات التي تُسمع عن قرب.

ومهما تطورت الوسائل وتغيرت الأزمنة، سيظل العيد محتاجًا إلى تلك اللحظة البسيطة التي يجلس فيها الناس معًا بلا وسائط، يتبادلون الحديث، ويستعيدون دفء العلاقات القديمة.

وربما لم تُفسد التقنية العيد، لكنها كشفت لنا حقيقةً مهمة، أن الفرح لا تصنعه الأجهزة، بل تصنعه القلوب حين تختار أن تقترب من بعضها.

ولهذا يبقى السؤال الحقيقي ليس: هل أفسدت التقنية العيد؟

بل: هل ما زلنا نمنح العيد ما يستحقه من وقتٍ ولقاءٍ ودفءٍ إنساني؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.