تُعتبر قضية فلسطين من أكثر القضايا تعقيدًا في العالم، حيث تتداخل فيها عوامل سياسية، دينية، واجتماعية. ومع استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وتمدده 78 عامًا، تبرز تساؤلات حول دور الدول العربية وإمكانياتها في تحقيق التحرير.
في هذا السياق، يمكننا استعراض بعض النقاط الرئيسية التي تبرز تقصير العرب، بما فيهم السلطة الفلسطينية، في تحرير فلسطين، والفرص الضائعة.
أولاً تاريخ العلاقات العربية الإسرائيلية؛ فعلى مر العقود، شهدت تلك العلاقات العربية الإسرائيلية تحولاتٍ كبيرةً بعد أن كان الفلسطينيون واليهود يعيشون على أرض فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر قبل وعد بلفور 2017. وقدمت بعض الدول العربية الدعم المادي لفلسطين والأردن، باعتباره أطول خط مواجهة بطول 360 كيلومترًا تقريبًا، لكن هذا الدعم غالبًا ما كان رمزيًا أكثر منه فعليًا. لم يكن هناك مواجهة بمعناها العسكري في الكثير من الأحيان، وكثير من الأموال ذهبت إلى جيوب بعض مناضلي الفنادق ممن نرى قصورهم وشركاتهم وثرواتهم من باريس إلى سويسرا إلى الأردن، وكانت التوترات الداخلية بين الدول العربية تحول دون تنسيق جهدٍ فعالٍ لتحرير فلسطين، والدعم العربي قُطع عن الأردن، وتقوقعت بعض الدول داخل البيات الأبدي لمعاهدات استسلام.
موقف بعض الدول العربية من إيران مثيرٌ للشكوك، فلو اتحدت بعض من الدول العربية، التي تتحدث وتتشدق لأكثر من خمسين عامًا عن تحرير فلسطين، مع إيران، لكان بالإمكان تشكيل جبهةٍ قويةٍ ضد الاحتلال الإسرائيلي وإسقاطه وإجهاضه وإجباره على الجلاء عن الأراضي التي اغتصبها. إن تدخل قواتٍ عربيةٍ لتحرير فلسطين وتركيز الهجمات المشتركة على إسرائيل كانت ستضعف موقف إسرائيل العسكري وتهزمها شر هزيمة، خصوصًا في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تمر بها، ناهيك عن الصواريخ التي تحيط بها شمالًا وجنوبًا. هذا التحالف إن حدث، وبالرغم من كراهية بعض الدول العربية لسياسات إيران ولتيارها العقائدي، كان ليعزز من إمكانية تحقيق الأهداف الفلسطينية ويقطع الطريق على أي محاولاتٍ إسرائيليةٍ لإقامة نظام بديل في الأردن، ولأصبح الطريق إلى القدس مشرعًا بالنصر.
أما الوضع الحالي لإسرائيل، فإن الأحداث الحالية تشير إلى أن إسرائيل تواجه ضغوطًا كبيرةً، والشعب في الملاجئ، سواء من الصواريخ الإيرانية أو صافرات الإنذار أو من عدم استقرار الوضع في المنطقة.
الولايات المتحدة الأميركية، التي كانت تُعتبر حاميةً لإسرائيل، تنفذ أجندات الحرب الدينية، وجدت نفسها في موقفٍ صعب، حيث لم تحقق أيًّا من الأهداف المعلنة للحرب التي قادها ترامب. هذا الأمر يمثل فرصةً كبيرةً للدول العربية لإعادة النظر في استراتيجياتها.
بالإمكان تعويض الفرص الضائعة واليقظة من الاستسلام، وبالرغم من الظروف الحالية، لا يزال هناك تقصير عربي في استثمار هذه الفرص، وهناك من يقف في خندق إسرائيل ويشارك في تعميدها. فبدلًا من توحيد الجهود، يظل الانقسام سمةً بارزةً في السياسة العربية والانصياع لدى البعض للفكر الصهيوني. هذا الانقسام يعيق أي محاولةٍ جديةٍ لتحرير فلسطين ويمنح إسرائيل الوقت لبناء نظامها البديل.
إن القضية الفلسطينية هي قضية مصيرية يجب أن تكون في قلب السياسة العربية، لا ورقةً في جيب القرصان الأميركي طوال الوقت، وجاءت الفرصة في الوقت الحالي، فمع الضغوط التي تواجهها إسرائيل الغاصبة لفلسطين والتي تريد إقامة نظام بديل في الأردن واحتلاله، يمثل هذا الوقت وتلك الحرب فرصةً تاريخيةً يجب على الدول العربية استغلالها من خلال توحيد الجهود، وبذلك يمكن تحقيق الهدف المنشود في تحرير فلسطين، وضمان عدم إقامة نظام بديل على حساب الأردن أو أي دولة عربية أخرى.
إن الوعي العربي الجماعي والالتزام الفعلي من قبل الدول العربية هو ما يمكن أن يغير مجرى الأحداث ويحقق الأمل لشعب فلسطين ويحفظ الأردن. بالأمس كان العراق، وبعده سوريا، واليوم إيران، وغدًا تركيا، ثم مصر، ثم الأردن، وعندها سيكون هناك ساحةٌ جديدةٌ من النيل إلى الفرات تنطلق منها مستقبلًا الحرب على أوروبا. لا يوجد ثور أبيض، بل بقرة صفراء حسب معتقداتهم.


