: آخر تحديث

عيد… بأيّة حالٍ عدت يا عيد

5
4
4

طلّ علينا عيد الفطر ككل عامٍ، حاملًا معه معاني الفرح والصفاء، بعد شهرٍ من الصيام والقيام. عيدٌ كان ولا يزال موعدًا تتلاقى فيه القلوب قبل الأيادي، وتُفتح فيه البيوت كما تُفتح فيه النفوس على المحبة والتسامح. غير أن العيد، حين يعود بنا إلى الذاكرة، يوقظ صورًا جميلةً من زمنٍ قريبٍ وبعيدٍ، زمنٍ كانت فيه الأعياد أبسط في مظاهرها، لكنها أعمق في معانيها.

كان الناس يستقبلون صباح العيد بقلوبٍ متآلفة، يخرجون إلى الصلاة في الساحات، والطرقات تتعالى فيها التكبيرات، ثم يعودون إلى بيوتهم، حيث تمتد موائد الفرح، وتزدحم المجالس بالأقارب والجيران، ويجوب الأطفال الأزقة بملابسهم الجديدة وضحكاتهم البريئة. كانت الأعياد آنذاك مساحةً واسعةً للطمأنينة الاجتماعية، حيث تتقارب البيوت كما تتقارب القلوب، وكان الناس، على بساطة حياتهم، يعيشون العيد بصفائه الحقيقي، بعيدًا عن صخب السياسة وثقل الأزمات.

لكن، حين يعود العيد في زمننا هذا، لا يستطيع المرء أن يتجاهل ما يحيط بأمتنا من أوجاعٍ وأحداث. ففي أكثر من بقعةٍ من عالمنا العربي والإسلامي، تستقبل شعوبٌ كثيرة العيد بقلوبٍ مثقلةٍ، لا بفرحٍ كامل. في اليمن، الذي أنهكته الحرب سنواتٍ طويلةً، وفي السودان، الذي تمزقه الصراعات وتثقل كاهله المآسي، وفي غيرهما من البلدان التي دفعت أثمانًا باهظةً لصراعاتٍ داخليةٍ وتدخلاتٍ خارجية، أصبح العيد يمرّ على كثيرٍ من الأسر وهم بين نزوحٍ أو فقرٍ أو خوفٍ أو فقدٍ لأحبةٍ غيّبتهم الحروب. لقد عانت شعوبٌ كثيرة، كما عانت قياداتها، من عبث الميليشيات، التي جعلت السلاح فوق صوت العقل، وقدّمت مصالحها الضيقة على استقرار الأوطان وأمن الشعوب.

وما يزيد الألم أن بعض تلك المآسي لم تكن نتيجة صراعاتٍ داخليةٍ فحسب، بل جاءت أيضًا من تدخلاتٍ خارجية، لا تراعي حرمة الجوار ولا قدسية الأزمنة المباركة. فكم من بلدٍ عربيٍّ أو خليجيٍّ، وحتى هذه اللحظة، استُهدف بالصواريخ والطائرات المسيّرة، حتى في أيامٍ يفترض أن تكون أيام عبادةٍ وسكينة، وكأنّ الحقد لم يترك للناس حتى لحظات الطمأنينة، في شهرٍ كريم.

وفي خضم هذه العواصف، تبدو قضايا الأمة الكبرى، وفي مقدمتها قضية فلسطين، وكأنها تراجعت في سلّم الاهتمامات الدولية، بعدما كانت يومًا القضية الأولى التي تجمع العرب والمسلمين، على اختلاف مواقفهم.

هكذا يأتي العيد أحيانًا مثقّلًا بأسئلةٍ كثيرة، لعلّ أقربها إلى القلب ما قاله الشاعر قديمًا: "عيدٌ بأيّة حالٍ عدت يا عيد؟". غير أن العيد، بالرغم من كل ذلك، يظل رسالة أملٍ قبل أن يكون مناسبة فرح. فالأعياد، في جوهرها، ليست مجرد مظاهر، بل هي تذكير دائم بأن في هذه الأمة خيرًا باقٍ، وأن ما يجمع شعوبها من عقيدةٍ وتاريخٍ وثقافةٍ أعمق من كل ما يفرّقها. ولعلّ ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى هو أن نستعيد معنى العيد الحقيقي: عيد المصالحة قبل الاحتفال، وعيد التعاضد قبل الزينة، وعيد التكاتف بين الشعوب قبل كل شيء.

نسأل الله، في هذه الأيام المباركة، أن يعيد الأعياد على أمتنا وقد انقشعت عنها الغُمم، وأن يبدّل الخوف أمنًا، والفرقة وحدةً، وأن يحفظ أوطاننا وقياداتنا وشعوبنا من كل سوء، وأن يجعل أعياد المسلمين مواسم فرحٍ حقيقيةً تعود كما كانت، بحمد الله، طمأنينةً وأمنًا واستقرارًا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.