لا تكاد أغنية وديع الصافي "بلادي عم تقاسي حاجتها حرام" تغادر فكري هذه الأيام، ولا ما قاله أحمد شوقي في ثورة دمشق عن عصف الحديد الذي يحمرّ أفق على جانبيه ويسودّ أفق، ولا صورة أليسار وقد بَنَتْ بمساحة جلد ثورٍ مدينةً ازدهرت وتميّزت، ولا يزال التاريخ يتحدث عنها.
وبين أليسار وعصف النار اليوم ترتمي بيروت سبيّةً لا قرار لها على مصيرها، تنتظر صراع الأقوياء لتعرف سبيّة من هي. والمضحك المبكي في الأمر أنّها تُؤمِّل بالحرية، وحيّ الحرّة أصلاً ذات الحسب والنسب، لكنّ الغدر في الزمن طبعٌ الزمن الذي لا يُؤتمن جانبه رماها في باحة صراعات، وبؤرة صراعات صدّعت غطاء رأسها، ونزعته عنها، وجعلتها سافرة الرأس ككل أمةٍ في الجاهلية.
لم تُسأل بيروت رأيها، ولم تُكفل حريتها ممن أوحى لها بها، بل نزل قيد الحديد والنار ليزنّر جيدها وخصرها ونحرها، ويحطّم أضلاعها، ويفتّتها شذراتٍ متناثرةً تحترق رمادًا يبحث عن ظل الفينيق فيه، فبيروت ترفض أن تستفيق من عبق الحياة، وتستسلم لأحلام الموت. بيروت التي تحطّمت على شواطئها أحلام الجبابرة، هل تقبل أن تبقى سبيّة؟
بيروت هي الحلم الذي لا يملّ منه الأمل، ولا الغد، ولا الأبد. بيروت الحكمة والكلمة واللحن والوتر والبسمات وصوت فيروز وموّال صباح وجبل وديع ونصري. بيروت الكتاب الذي يشتاق دومًا من يُبدعُ بحبر سواده آلاف الألوان في أجمل محاكاة لجِنان الإله. بيروت الإنسان الذي لا يموت إلا موت الحياة، ولا يبيع الفجر بديجور الظلام. بيروت الإرادة التي لا تنام ولا تُقهر.
بيروت التي لم تقضِ على هويتها الإمبراطوريات والغزو والاحتلال والمجاعة والاستبداد والانفجارات.
بيروت الثكلى، بيروت الجريحة، منذ قبل انفجار مرفأها وحتى اليوم، بيروت ترفض أن تكون سبيّة، وتناجي أليسار "واأليساراه".


