: آخر تحديث

المتنبي في الخليج: عندما تواجه الصواريخ قصائد العزة

4
5
3

في لحظات الاشتعال الكبرى للصراع في الشرق الأوسط، حين تتصادم إرادات الدول وتتصاعد فيها أصوات المدافع والصواريخ، يظل التاريخ العربي والذاكرة الثقافية ملاذاً يذكّر الإنسان بهويته وقيمه. لا شيء أقوى من الكلمة حين تشتدّ على الأمة الأهوال، ومن الشعر حين تُهدَّد ثرواتها وسيادتها. في عام 2026 اندلعت مواجهةٌ مسلحةٌ واسعةٌ بين إيران وإسرائيل، بعد سلسلةٍ من التصعيد المتبادل، وامتدّت تداعياتها إلى دول الخليج العربي، ما جعل المنطقة تشهد أكثر أيامها حساسيةً خلال العقود الأخيرة. تصدى الإعلاميون والمحللون لقراءة المشهد العسكري والسياسي، لكن في عمق الوجدان العربي، كان السؤال أعمق: ماذا يبقى منّا حين تهتز الأرض؟ هنا يأتي دور الشعر، ليذكرنا بالجوهر. هنا يأتي دور المتنبي.

قبل أن نحمل الأقلام إلى المعارك الحديثة، ننطلق من حكمة المتنبي التي أثبتت عبر الزمن أنها صالحةٌ لكل زمان:

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني
والسيفُ والبقاعُ والرمحُ والحرابُ

هذه الأدوات التي تغنى بها المتنبي — الخيل والسيف والرمح — هي اليوم طائرات F-35 وصواريخ دفاعية ومنظومات إنذارٍ مبكر. تغيرت الأدوات، لكن جوهر الاستعداد للدفاع عن الأرض لم يتغير.

بحسب المعلومات الموحَّدة من المصادر الدولية، في آذار (مارس) 2026، نفّذت إسرائيل هجوماً جوياً كبيراً استهدف حقل الغاز الإيراني الضخم المعروف بـ "جنوب بارس"، وهو مكمنٌ أساسيٌ للطاقة الإيرانية ويُعدّ من أكبر روافد الغاز في العالم. وقد تمَّ الهجوم بدعمٍ لوجيستيٍ من الولايات المتحدة، بالرغم من معارضة الرئيس ترامب لضرباتٍ إضافية، وأدى إلى أضرارٍ في الإنتاج الإيراني من الغاز وتأثيرٍ على صادراته، مما أثار قلق أسواق الطاقة العالمية. ردّت إيران بإطلاق مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه دول الخليج، وضمت قائمة الأهداف الإمارات العربية المتحدة، الكويت، البحرين، السعودية، وقطر، وقد تسبّب بعضها في سقوط قتلى وإصاباتٍ وأضرارٍ في منشآتٍ مدنيةٍ وصناعية. هذا التصعيد دفع مجلس الأمن الدولي إلى إدانة الضربات الصاروخية الإيرانية على دول الخليج، في حين أبدت دول المنطقة استعدادها للدفاع عن سيادتها بأدواتها الدفاعية المتاحة.

دول الخليج، التي كانت على مدى العقود الماضية تبني مرافقها الاقتصادية وتحوّل ثرواتها إلى مشاريع تنموية، وجدت نفسها في قلب مواجهةٍ غير متوقعة، تُهدّد أمنها واستقرارها. في اللحظة الحرجة هذه، نستحضر بيتاً آخر للمتنبي يذكّرنا بقيمة الهمة والشرف:

إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ
فَلا تَقنَعْ بما دُونَ النّجومِ

البيت يعيد تعريف مفهوم "الردع" اليوم. فالطموح إلى شرف حماية السيادة لا يمكن أن يقبل بحلولٍ وسط، بل يسعى إلى أعلى درجات الأمان، "فلا تقنع بما دون النجوم".

الحرب الراهنة ليست مجرّد مواجهةٍ عسكريةٍ عابرة؛ إنها تجربة اختبارٍ لموازين القوى في المنطقة. إيران ترى في توسيع نفوذها أداةً لتثبيت مكانتها، في حين أن إسرائيل تدافع — من منظورها — عن أمنها القومي في مواجهة ما تعتبره تهديداً استراتيجياً. لكن البلدان العربية، خصوصاً في الخليج، لم تطلب أن تكون ساحةً للصراع، وترفض أن تتحول مواردها وثرواتها إلى سلاحٍ يُستغل في هذا النزاع. إحدى أهم المعاني التي يجب أن نستحضرها في هذا السياق هو قيمة الوحدة والتماسك، وهو ما عبّر عنه المتنبي في قوله:

لِمَ العُيونُ تَغُرُّها إِذَا رَأَتْ الجَمالَ بَهيَّاً؟
وَالْكَرِيمُ لَمْ يَزِدْهُ زَيْنَةٌ إِلَّا كَرَمًا

العظمة الحقيقية ليست في الزينة الظاهرة، بل في الكرم الحقيقي والثبات على المبادئ. إذا طبّقنا ذلك على واقعنا الحالي، فإن دول الخليج لا تريد فقط التصدي للصواريخ، بل تريد الحفاظ على إرادتها واستقرار شعوبها الاقتصادي والسياسي، وهذا يتطلّب حكمةً في القرار وشجاعةً في الموقف.

في نهاية المطاف، قد تكون الحروب موضوعاً للسياسيين والعسكريين؛ لكن روح الأمة تبقى مرتبطةً بعمقٍ بقيمها الثقافية والتاريخية. حين يتصاعد المدّ العسكري، يصبح السؤال الأهم: كيف يقرأ العرب هذا المشهد؟ وكيف يتحوّل التاريخ والثقافة إلى قوةٍ معنويةٍ تُساند الإرادة الوطنية؟ لقد ترك المتنبي إرثاً لا يُحصى في مدح العزة والكرامة، وكيف لا؟ وهو الذي قال:

وَما المَجدُ إِلّا كَالسَّحابِ يُتْبَعُ
إِذا ما انقَطَعَ نَدِرًا كَالنَّدى يَفِيقُ

إنَّ المجد في جوهره ليس مكتسباً بالصدفة؛ بل هو ثمرة ثباتٍ في المواقف، وارتفاعٍ في الهمم، ومقاومةٍ لكل من يُريد أن يقوّض كرامة الأمة. وفي خضم هذا الصراع المتصاعد، يبقى الخليج العربي، بشعوبه وثرواته، قوياً. قوته ليست في موارده فقط، بل في ثقافة عزته التي تتغذى من تاريخه. فكما علمنا المتنبي، لا مجد بلا مغامرة، ولا كرامة بلا صدق.

وفي هذا المشهد المتأزم، تبرز أهمية الخطاب الثقافي العربي الذي لا يكتفي برد الفعل، بل يؤسس لرؤية، رؤية ترى في المتنبي رمزاً للثقة، ليس فقط في مواجهة التهديد المباشر، بل في صياغة مستقبلٍ لا تكون فيه المنطقة ساحةً لصراعات الآخرين. هل يصبح المتنبي درعاً للخليج أمام الغزاة؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.