تمر إيران والمنطقة والعالم بلحظةٍ جيوسياسيةٍ بالغة الحساسية، حيث وضعت التطورات الأخيرة المجتمع الدولي أمام حقيقةٍ استراتيجيةٍ لا يمكن القفز فوقها؛ وهي أن استقرار الشرق الأوسط بات مرتبطًا بشكلٍ عضويٍ ومصيريٍ بإنهاء نظام "ولاية الفقيه" الجاثم على صدور الإيرانيين. إن موقع إيران الجغرافي وتأثيرها التاريخي العميق يجعل منها رقمًا صعبًا في معادلة السلام العالمي، شريطة أن تكون مقاليد أمورها في "أيدٍ أمينة" تحرص على مصالح الشعب والتعايش السلمي، وهو ما يفتقده النظام الحالي الذي جعل من تصدير الأزمات والحروب ركيزةً لبقائه.
على مدى أكثر من أربعة عقودٍ مريرة، لعب نظام الملالي دورًا تخريبيًا بامتياز، مهدِرًا مقدرات الشعب الإيراني في مغامراتٍ إقليميةٍ لا تخدم سوى بقاء "بيت الولي الفقيه". واليوم، وبينما تدخل الحروب الإقليمية التي يشعلها النظام أسبوعها الثالث، يبرز السؤال الجوهري: هل هناك مخرج؟ الإجابة جاءت واضحة في "الإحاطة الصحفية" بروكسل الأخير، حيث أكد السيد محمد محدثين، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة، أن عصر "الاسترضاء" الدولي يجب أن ينتهي فورًا؛ فكل حوارٍ مع هذا النظام المتهالك بنيويًا ليس إلا منحًا للأكسجين لجسدٍ يلفظ أنفاسه الأخيرة.
إنَّ المأزق الهيكلي الذي يعيشه النظام عقب مقتل علي خامنئي كشف عن هشاشة "الشرعية الثورية" المزعومة. إن محاولة الحرس الثوري القفز فوق واقع التفتت عبر تنصيب "الملا" مجتبى خامنئي، حولت النظام رسميًا إلى "ملكيةٍ استبداديةٍ توريثية" بعباءةٍ دينية. هذه الخطوة، التي واجهت معارضةً داخليةً صامتةً وعلنيةً حتى داخل "مجلس الخبراء"، أسقطت آخر أوراق التوت عن النظام. ومن هنا، يبرز زيف المحاولات المشبوهة لتلميع دكتاتورية "الشاه المقبور" وتقديم ابنه كخيارٍ بديل؛ فكلاهما يمثلان عودةً إلى منطق "التوريث" الذي يرفضه الشعب الإيراني جملةً وتفصيلًا. إن السخرية تكمن في تصوير شخصٍ عاش حياةً مترفةً بعيدًا عن معاناة شعبه لـ 47 عامًا كـ "منقذ"، بينما الواقع يؤكد أن من لم يقدم تضحيةً واحدةً، لا يمكنه قيادة ثورةٍ شعبيةٍ حقيقية.
إن التغيير الجذري الذي ينشده الشعب الإيراني ليس مجرد استبدال مستبدٍ بآخر، بل هو "نقل السيادة" بالكامل إلى الشعب. وهنا تبرز عبقرية "خيار الحكومة المؤقتة" التي أعلن عنها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في 28 شباط (فبراير) 2026. هذا الخيار ليس مجرد مشروعٍ نظري، بل هو خارطة طريق مدعومة بـ "وحدات المقاومة" التي أصبحت القوة الضاربة والمنظمة في الداخل. إن العمليات النوعية التي نفذتها هذه الوحدات، وآخرها اختراق التحصينات الأمنية للمجمع الرئاسي في طهران، تثبت أن المقاومة هي الكيان الوحيد القادر على ملء الفراغ السياسي والأمني الناتج عن انهيار مؤسسات النظام.
إن برنامج النقاط العشر للسيدة مريم رجوي يطرح رؤيةً شاملةً لإيران الغد: إيران ديمقراطية، تعددية، تفصل الدين عن الدولة، وتضمن المساواة الكاملة بين الجنسين. إن هذا البرنامج هو العقد الاجتماعي الجديد الذي يضمن حقوق القوميات المضطهدة من الكرد والبلوش والعرب والآذريين، ويؤسس لقضاءٍ مستقلٍ ينهي أحكام الشريعة المشوهة. والأهم من ذلك، هو الالتزام بـ "إيران غير نووية" تعيش بسلامٍ مع جيرانها، مما يحول إيران من مصدرٍ للتهديد إلى ركيزةٍ للاستقرار الإقليمي.
لذا، فإن المسؤولية تقع اليوم على عاتق القادة الأوروبيين والمجتمع الدولي للتخلي عن سياسة المهادنة والاعتراف بالحق المشروع للشعب الإيراني ووحدات مقاومته في إسقاط نظام "الملا" مجتبى والحرس الثوري. إن البديل الديمقراطي المنظم، الذي قدم 120 ألف شهيد على طريق الحرية، هو الضمانة الوحيدة لمنع انزلاق البلاد نحو الفوضى. إن دعم "الحكومة المؤقتة" وبرنامج السيدة رجوي ليس مجرد دعمٍ للشعب الإيراني، بل هو ضرورةٌ أمنيةٌ لأوروبا والعالم لإنهاء حقبة الإرهاب والحروب التي يغذيها "بيت العنكبوت" في طهران. لقد حسم الشعب الإيراني أمره، والكلمة الفصل ستكون لمن صمد وضحى في الميدان، لا لمن ينتظر "بيعةً موروثيةً" واهية.


