مُنيت القضية الفلسطينية في الأيام الأخيرة من شهر شباط برحيل المناضلة الفلسطينية دبلوماسيًا ليلى شهيد (كما ليلى خالد المناضلة الثورية)، ثم تلاها بأيام المناضل الفلسطيني فكريًا الدكتور وليد الخالدي (كما المناضل المفكر جورج حبش). ويحدث الرحيل في زمن لم يعد واضحًا ما إذا كان الصف الفلسطيني، بتنوع اتجاهاته، سيسلك مسار التوحد الذي تحتاجه القضية الفلسطينية في زمن الحرب العبثية التي بدأت مشاركةً بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أو فلنقل، للتحديد الواقعي، بين عقلية ترامب وجموحه وعدوانية نتانياهو، الذي أمعن على مدى ثلاث سنوات قتلًا وتدميرًا وتجويعًا وتهجيرًا في فلسطين الغزّاوية، تسانده إدارة الرئيس دونالد ترامب في فعله الإجرامي هذا، بحيث تشمل المساندة العسكرية الحربية والمالية، وإحباط أي خطوة تصدر عن الأمين العام للأمم المتحدة، وأي قرار تُصدره، عن كامل الاقتناع، محكمة العدل الدولية.
وإذا جاز القول، فإن ما جناه الثنائي ترامب – نتانياهو على شعب غزة ستكون عوائده إدراج كل منهما في تاريخ الحقبة الراهنة على أنهما ضد أي احترام لإرادة الله، نتيجة ما فعلاه بالخلق الفلسطيني، وابتلياه منذ شهر بحرب لا مثيل لعدوانيتها، وعلى إيران، وعلى لبنان المتواصل العدوان الإسرائيلي عليه. ولقد تسبب هذا العدوان، من خلال التدمير والتهجير وسكوت الإدارة الأميركية على هذا الفعل، بنزوح قرابة مليون لبناني، انتهت حالهم إقامةً في خيام بلاستيكية على مساحات من شاطئ العاصمة بيروت، وفي مدارس أُخليت من الطلاب الذين تعطلت دراستهم الطبيعية. وأما الغارات بالمسيّرات على العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية، وعلى سائر المناطق اللبنانية من الجنوب إلى البقاع إلى أقاصي منطقة بعلبك، فإنها تتم من دون عبارة احتجاج تصدر عن مسؤول أميركي، وبالذات من سفير الولايات المتحدة اللبناني الأصل ميشال عيسى، والذي افترضنا أن اختياره إنما تم على قاعدة حسن النوايا والاهتمام من جانب الإدارة الأميركية تجاه لبنان.
كنتُ، عندما ألتقي ليلى شهيد في زيارات من لندن إلى باريس، التي شغلت فيها منصب السفيرة الأكثر رقيًا في سفارات السلطة الوطنية الفلسطينية، أشعر بما تقوله، بكل هدوء واختيار للعبارات، أن القضية الفلسطينية قدر، وأن الأقدار مسارها أن تصل إلى مبتغاها. واستوقفني تقديرها لكتاب لي اطّلعت عليه وقرأت بعض سطور صفحاته بكثير من الاهتمام.
هذه السطور جاءت في الكتاب المعنون "أمر الله يا عبدالله"، وهو الأول من ثلاثية تناولتُ فيها "النهج السعودي في ترويض الأزمات والصراعات"، والذي استوقفها فيه العمق في التحديد التاريخي من جانب الملك عبدالعزيز لبعض الحقائق حول الصراع العربي – الإسرائيلي، ومفهوم الملك للعلاقة التاريخية لليهود بفلسطين، وتحديدًا قوله في مقابلة أجرتها معه مجلة "لايف" الأميركية (عدد 21 مارس/ آذار 1943): "إنني لا أعلم أن لليهود أمرًا يبرر مطالبتهم بفلسطين، لأن فلسطين كانت، من قبل البعثة المحمدية، للعرب. سكنها بنو إسرائيل حقبة من الزمن، وتسلط عليهم الرومان في ذلك الوقت، وقتلوهم وشتتوا شملهم، ولم يبقَ أثر لحكمهم فيها. والعرب استولوا عليها من الرومان منذ ألف وثلاثمئة سنة وزيادة، وهي من ذلك الوقت بيد المسلمين. ومن هنا يظهر أن ليس لليهود حق في دعواهم هذه، لأن جميع بلدان العالم تقلّبت عليها شعوب تملّكتها وصارت الآن وطنًا لهم لا منازع فيه. فلو أردنا تعقيب نظرية اليهود لوجب على كثير من شعوب العالم أن يرحل من بلاده، وفلسطين من ضمن هذه البلاد. فإذا كان اليهود مضطرين إلى محل يسكنونه، فبلاد أوروبا وأميركا وغيرها من البلدان أوسع وأخصب من هذه البلاد...".
أحدثت ليلى شهيد، برقي دبلوماسيتها، تقريبًا كثيرين من أهل السياسة والثقافة لدى أهل السياسة والثقافة، خلال سنواتها الدبلوماسية سفيرة لدى خمس دول أوروبية، إضافة إلى سنوات ثرية لها سفيرة لدى الاتحاد الأوروبي، وقبل ذلك مندوبة لفلسطين لدى الأونيسكو.
ويبقى أن هذا الثراء الثقافي كان لبيروت، في شخص الجامعة الأميركية، ملامح فيه، كتلك التي للدكتور وليد الخالدي، الذي ركّز في سنواته على تاريخ فلسطين وجغرافيتها وقراها، وأراد من ذلك أن تبقى ذاكرة الأجيال الفلسطينية لا تنسى القضية، ولن يلغيها التلاعب الأميركي – الصهيوني بها، وأحدثه ما نعيشه من جانب الرئيس ترامب، الذي أوقفه بنيامينه المتواري منذ أيام عن المشهد، في مأزق قد يُفقد الدور الأميركي في المنطقة، وبالذات لدى الدول الخليجية الصديقة، الأهمية التي لا بد أن تعيد النظر في واقع الحال، نتيجة أن ترامب حوّل مغامرته الإيرانية مع شريكه نتانياهو (المتواري إلى أن يظهر) إلى محاولة إحداث الحذر بين إيران ودول الخليج، ربما لأن قادة هذه الدول اعتمدوا مبدأ الجار للجار، وبقي رد فعلهم كلاميًا حول المسيّرات الإيرانية التي تستهدف مواقع في دولهم، وضمن مفاهيم حسن الجوار وتفهّم ظروف إيران المعتدى عليها، من دون أن تكون المغفرة كاملة لاعتداءات مسيّراتها.
وهكذا، كما لفلسطين، الأقوى من ترامب وبنيامينه، كقضية ثوارها الميامين، كذلك لها ملامح دبلوماسية وفكرية وثقافية تعزز أحقية قيام الدولة.
... وما ضاع حق وراءه ساعون ومضحون.

