: آخر تحديث

الملالي يتساقطون أم يُسقَطون؟

4
2
3

في علم السياسة، هناك قاعدة غير مكتوبة تقول: كلما كان الهدف أصعب، طال زمن اصطياده، ولهذا حين تطارد الولايات المتحدة قادة عصابات المخدرات في أدغال كولومبيا أو جبال المكسيك لسنوات دون نتيجةٍ حاسمة، نفهم أن الجغرافيا معقّدة، والشبكات متداخلة، والحماية متعددة الطبقات، وحين تستغرق إسرائيل وقتاً طويلاً للوصول إلى بعض قادة الفصائل الفلسطينية، بالرغم من التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي وقرب المسافة وصغر المساحة الجغرافية لغزة، ندرك أن الأمر ليس لعبة فيديو تُحسم بضغطة زر، لكن ماذا عن الحالة الإيرانية؟

هنا تبدأ الكوميديا السوداء، قادة يتساقطون بسرعةٍ لا تُصدّق. أسماء تظهر فجأةً في نشرات الأخبار ثم تختفي فجأةً أيضاً، لكن هذه المرة إلى الأبد. لا مطاردات طويلة، لا عمليات معقدة تستغرق سنوات، لا سيناريوهات هوليوودية مليئة بالمفاجآت. فقط خبر عاجل، ثم بيان نعي، ثم صمت.

فهل نحن أمام عبقرية استخباراتية خارقة؟ أم أمام مسرحٍ مختلفٍ تمامًا؟ لنكن صريحين قليلاً.

إذا كانت واشنطن، بكل أقمارها الصناعية، وعملائها، وتقنياتها، تعجز عن الإمساك برجلٍ مختبئٍ في غابةٍ أو نفق، فكيف تتحول فجأةً إلى صيادٍ ماهر حين يتعلق الأمر بقيادات داخل دولةٍ بحجم إيران؟ دولة يُفترض أنها محصّنة، مهووسة بالأمن، ومبنية على هواجس الاختراق.

هنا، يصبح السؤال أكثر إزعاجًا من الإجابة، هل المشكلة في قوة الصياد أم في هشاشة الفريسة؟

أم أن هناك "صيادًا" آخر داخل الغابة نفسها؟

المفارقة الساخرة أن النظام الذي بنى عقيدته على "الاختراق" و"تصدير النفوذ" يبدو اليوم وكأنه مخترقٌ من الداخل حتى النخاع. شبكة معقدة من الأجهزة، الحرس، الاستخبارات، اللجان، الظلال، ومع ذلك يسقط القادة كأن أحدهم أطفأ الضوء فجأةً في غرفةٍ مزدحمة، لا أحد يرى من ضغط الزناد، لكن الجميع يسمع الصوت.

الأمر لا يبدو كمعركةٍ خارجيةٍ بقدر ما يشبه تصفية حسابات داخلية تُدار ببرود، فالأنظمة التي تعيش على الشك، تنتهي عادةً بأن تأكل نفسها.

خذ مثالاً بسيطاً: في عالم عصابات المخدرات، القائد لا يسقط بسهولة لأنه لا يثق بأحد. كل دائرةٍ حوله مشكوك فيها، وكل خطوةٍ محسوبة. الخيانة واردة، نعم، لكنها مكلفة ومعقدة.

أما في بعض الأنظمة المؤدلجة، فالمعادلة مختلفة: الولاء يُفرض، لا يُبنى. والخوف يُستخدم بدل الثقة. وهنا، تبدأ الشقوق بالظهور بصمت.

وعندما تتراكم الشقوق، لا تحتاج إلى قصفٍ خارجي لإسقاط الجدار.

يكفي أن يلمسه أحد من الداخل.

الطريف والمبكي في آن، أن الخطاب الرسمي يستمر كما هو: قوة، صمود، سيطرة، انتصارات. بينما الواقع يكتب قصةً أخرى، أكثر قسوةً وسخرية، قادة يُودَّعون بسرعة، وبدائل تُقدَّم على عجل، وكأن الزمن أصبح عدوًا لا ينتظر أحداً، بل إن المشهد أصبح أقرب إلى "إدارة خسائر" منه إلى "إدارة معركة"، وإذا أردنا أن نكون أكثر جرأةً في الطرح: ربما لم تعد المسألة من قتل؟ بل من سهّل القتل؟

لأن الوصول إلى القيادات العليا في أي نظامٍ مغلقٍ لا يحدث صدفة.

إنه يتطلب مفاتيح، وهذه المفاتيح لا تُصنع في الخارج.

قد يقول قائل: هذه مبالغة، أو تحليل متحيّز، لكن الوقائع لا تحتاج إلى انحياز، هي تتكرر بنفس النمط:

سرعة غير منطقية، دقة عالية، غياب شبه تام لردعٍ حقيقي.

وفي عالم السياسة، التكرار ليس صدفة، بل نمط.

النمط الذي يقول إن هناك خللاً عميقاً في بنية النظام نفسه.

خلل يجعل القائد هدفاً سهلاً، لا لأن العدو قوي فقط، بل لأن الحماية وهم.

وهنا، نصل إلى الخلاصة التي لا يحب أحد سماعها:

بعض الأنظمة لا تُهزم من الخارج، بل تتآكل من الداخل، حتى يصبح سقوطها مجرد مسألة وقت، أو خبر عاجل آخر.

وربما لهذا، يبدو المشهد الإيراني اليوم أقرب إلى "نزيف صامت" منه إلى حربٍ مفتوحة، نزيف لا يُرى، لكنه يُقاس بعدد الأسماء التي تختفي وبسرعة اختفائها.

في النهاية، ليست السخرية هنا من الموت، بل من التناقض.

تناقض بين خطابٍ يدّعي السيطرة، وواقعٍ يكشف هشاشةً مستغربة، فحين يتساقط الملالي بهذه السرعة، قد لا يكون السؤال: من أطلق الرصاصة؟

بل: من ترك الباب مفتوحاً؟

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.