يوجد أشخاصٌ يولدون وسط الكلمات، وينمون في ظلها، ثم ينتقلون في الحياة كأنهم رسائل تحملها الأقدام. وفي زمنٍ تتداخل فيه الأصوات وتتعارض الحقائق، يبرز بعض الأفراد كنقاطٍ مضيئة، ليس لأنهم يرفعون شعاراتٍ عالية، بل لأنهم يبنون وجودهم من خلال الوعي والمعرفة.
من بين هؤلاء يبرز الدكتور ناجي الحديثي، كأحد الذين اختاروا تشكيل تأثيرهم من خلال اللغة: لغة الإعلام، والثقافة، والدبلوماسية التي لا يتقنها سوى من عرف العالم بعينين هادئتين وقلبٍ يقظ.
بدأ الحديثي رحلته في عالم الصحافة بثقة، مدركًا أن الكلمة تعني مسؤولية. تجلّى حضوره كمدير تحرير بجريدة الثورة كامتدادٍ لمهنيته القوية، حيث ساهم في صياغة خطابٍ إعلاميٍ يتوازن بين الأحداث وتحليلها، وبين الزمن وصورته.
كان ذلك مجرد بدايةٍ لتجارب أوسع، حيث تولى لاحقًا رئاسة تحرير جريدة بغداد أوبزرفر، في تجربةٍ متميزةٍ أظهرت قدرته على إدارة مطبوعةٍ تستهدف القارئ الدولي. تطلبت تلك التجربة لغةً دقيقةً ورؤيةً تعبر عن الفهم بدلاً من الخصومة، وأن تنطلق من أرض الحقيقة دون انفعال.
لقد نقل شغفه بالفنون والثقافة إلى مجلتي أور وكلكامش، وهما من أبرز المنابر الفنية في العراق، حيث برزت بصمته في تعزيز التراث وتوثيق الفن العراقي، مقدمًا إياه بروحٍ تتجاوز الماضي، لتستشرف ما يمكن أن يقدمه هذا الفن للعالم. لم يكن مجرد ناقلٍ للنصوص بين اللغات، بل حلقة وصلٍ حضاريةٍ تفتح نافذةً من روحٍ إلى روح.
استخدم خلفيته الأكاديمية في اللغة الإنجليزية ليجسد الترجمة كفعلٍ ثقافيٍ يثري العقول قبل أن يملأ المكتبات. وقد أدرك مبكرًا أن الترجمة ليست مجرد جسر، بل مدخلٌ لفهم العالم؛ لذا جاءت أعماله مشبعةً بروح الكاتب الأصلي، وعمق القارئ العربي الذي يرغب في رؤية نفسه في كل نصٍ عالمي.
عند توليه رئاسة دار المأمون للترجمة والنشر، فهم أن المؤسسة الثقافية يمكن أن تكون أكثر من مجرد مبنى إداري. حول الدار إلى ورشةٍ فكريةٍ مفتوحة، تتفاعل فيها اللغات وتتحاور الأفكار. فقد نشّط حركة الترجمة النوعية، وأطلق إصداراتٍ تناولت الفكر والأدب والسياسة، وخلق روابط ثقافية مع مراكز عربية وعالمية. كانت رؤيته تقوم على أن الكتاب ليس منتجًا، بل رسالة، وأن الثقافة تُبنى بالاستماع الجيد لما يريده القارئ ولما تحتاجه الروح العامة.
في أحد أصعب الفترات التي مرت بالعراق، ظهر الحديثي كدبلوماسيٍ يدرك أن السياسة ليست مجرد نزاع، بل هي مجالٌ لاختبار قدرات الصبر والعقل والهدوء. وكنائبٍ لوزير الخارجية في أوقات الأزمات، أثبت أن اللغة يمكن أن تكون أداة قوة بقدر أي أداةٍ أخرى، وأن الدبلوماسية ليست مجرد مواقف تُعبّر، بل هي مساحات صغيرة تُشكَّل فيها العلاقات وتُبنى فيها الجسور. في قلب الأحداث، خاض الدكتور ناجي الحديثي مشوارًا معقدًا مع كلٍ من الولايات المتحدة والأمم المتحدة. لم يكن ذلك مجرد تنافس شعاراتٍ أو مشاعر، بل كان مواجهةً مدروسةً تجمع بين الأفعال والخطابات، تتطلب فهمًا عميقًا للنوايا المستترة خلف العبارات اللطيفة والقرارات الغامضة. عرف مبكرًا أن المعركة الحقيقية ليست فقط في قاعات الاجتماعات، بل تتواجد في التفاصيل الدقيقة والقدرة على تحليل الخطابات الدولية وفضح ما يُقال وما يُراد قوله في الوقت ذاته.
تطلّب هذا الأمر شجاعةً وإقدامًا على اتخاذ قرارات، في لحظةٍ كان فيها الانسحاب أسهل من الثبات، والصمت أقل تكلفةً من المواجهة. لكن الحديثي فضّل التواجد الذهني قبل الصوتي، وموقفه قبل خطاباته، مدافعًا عن مصلحة بلده في واحدةٍ من أصعب الفترات التي شهدها العراق، حيث كانت الدبلوماسية اختبارًا للوعي الوطني، وليس مجرد ممارسةٍ روتينية.
استفاد من خلفيته الإعلامية والثقافية ليصنع خطابًا سياسيًا متوازنًا، قادرًا على التوفيق بين الحفاظ على المصلحة الوطنية والتفاعل الحضاري مع العالم. كان على درايةٍ بأن الدبلوماسي الناجح لا يمثل بلده فحسب، بل يحمل معها صورة بلاده للآخر ويعيد صورة الآخر إلى بلده.
في كل منصبٍ تولاه، حافظ على روحه الأكاديمية المتمكنة من اللغة الإنجليزية وآدابها. كان يؤمن بأن المعلم الحقيقي هو من يستمر في التعلم، فتميّز بعلاقةٍ عميقةٍ مع المعرفة، من خلال القراءة والتفكير في اللغة باعتبارها موطن الفكر. هذه الخلفية منحته القدرة على إدارة الحوارات وتحليل النصوص السياسية والثقافية بعمق، حيث ينظر للكلمات كأكثر من مجرد سطح، بل كطبقاتٍ متعددة.
من الإعلام إلى الترجمة، ومن النشر إلى الدبلوماسية، ومن الأكاديمية إلى المهام الحكومية، يشكل الدكتور ناجي الحديثي مثالًا على تكامل المجالات المختلفة في شخصيةٍ واحدة. إنه من بين أولئك الذين ساروا في دروبٍ متعددةٍ في آنٍ واحد: درب العقل ودرب المسؤولية، مما جعله، أينما وجد، يترك مكانًا للضوء، ولغةً تدافع عن الحقيقة، ورؤيةً تتجاوز اللحظة وهي مترسخة في الوقت نفسه.
إنَّه من الشخصيات التي أثرت على المشهد الثقافي والسياسي العراقي، تاركًا خلفه أثرًا يشبه بصمة الماء: غير مرئيٍ مباشرة، لكنه يساهم في تحويل الأرض إلى حياة.


