في مدينة الرقة السورية، التي ما تزال تلملم جراحها بعد سنواتٍ طويلةٍ من الحرب والمعاناة، كان يُفترض لانتخابات مجلس الشعب أن تكون خطوةً نحو ترميم الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وأن تشكّل بدايةً لمسارٍ سياسي يعكس إرادة الناس وتطلعاتهم. غير أن ما جرى على أرض الواقع ترك لدى شريحةٍ واسعةٍ من أبناء المدينة شعوراً عميقاً بخيبة الأمل.
منذ الإعلان عن تشكيل اللجنة الناخبة، طُرحت تساؤلاتٌ جوهريةٌ حول مدى تمثيلها الحقيقي لمجتمع الرقة بكل تنوعاته. فالرقة ليست كتلةً واحدة، بل فسيفساء اجتماعية وثقافية واسعة، تضمّ فئاتٍ مختلفةً من حيث الانتماء والخلفيات والتجارب. ومع ذلك، بدا واضحاً لكثيرين أن هذه اللجنة لم تعكس هذا التنوع، بل اقتصرت على دائرةٍ ضيقة، لا يمكنها الادعاء بأنها تمثل الجميع.
وقد تعززت هذه الشكوك مع انسحاب أكثر من ستين عضواً من أعضاء اللجنة الناخبة البالغ عددهم 150 عضواً، في خطوةٍ اعتبرها مراقبون مؤشراً خطيراً على غياب التوافق الداخلي وضعف الثقة بآلية الاختيار نفسها. ولم يكن هذا الانسحاب مجرد تفصيلٍ عابر، بل كان رسالةً واضحةً بأن العملية الانتخابية تعاني من خللٍ بنيوي يبدأ من تشكيل الهيئة الناخبة ولا ينتهي عند إعلان النتائج.
وفي خضم هذا المشهد، برزت إشكاليةٌ أخرى تتعلق بفكرة "تمثيل النخبة"، حيث طُرح أن اللجنة تضم فئةً من المتعلمين أو أصحاب الشهادات العلمية. لكن هذا الطرح، بالرغم من أهميته من حيث المبدأ، لا يمكن أن يكون بديلاً عن التمثيل الشعبي الحقيقي. فالشهادات العلمية، على قيمتها، لا تختزل المجتمع، ولا تعبّر عن هموم جميع فئاته، خصوصاً في بيئةٍ عانت من الحرب، حيث تتفاوت الفرص والظروف بشكلٍ كبيرٍ بين الناس.
الأكثر إثارةً للجدل هو أن أعضاء اللجنة الناخبة لم يتم انتخابهم بشكلٍ مباشرٍ من قبل الشعب، ولا حتى عبر آلية تزكيةٍ عامةٍ وشاملة. الأمر الذي يطرح تساؤلاً مشروعاً: كيف يمكن لهيئةٍ لم تُنتخب شعبياً أن تنتج مجلساً يُفترض به تمثيل الشعب؟ هذا التناقض في الأساسيات ينعكس حتماً على النتائج، ويضعف من شرعيتها في نظر المواطنين.
لقد كان من الممكن أن تشكّل هذه الانتخابات فرصةً حقيقيةً لإعادة بناء الحياة السياسية في الرقة، لو أنها استندت إلى قانونٍ انتخابيٍ أكثر شمولاً وعدالة. قانون يأخذ بعين الاعتبار خصوصية المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، ويعترف بحاجة المجتمع إلى تمثيلٍ واسعٍ عبر أحزابٍ أو كتلٍ أو حتى تجمعاتٍ مدنيةٍ تعبّر عن مختلف الأصوات. إلا أن ما حدث، بحسب آراءٍ عديدة، هو العكس تماماً، إذ جاء القانون محدوداً، لا يفتح المجال إلا أمام دائرةٍ ضيقة، ما أدى إلى إنتاج هيئةٍ ناخبةٍ تمثل نفسها أكثر مما تمثل الناس.
وفي هذا السياق، يرى منتقدون أن القانون الانتخابي المعتمد لا يزال يحمل في طياته ملامح من أنماطٍ سابقة، لا تنسجم مع تطلعات مرحلة ما بعد الحرب. فبدلاً من أن يكون أداةً للتجديد والانفتاح، بدا وكأنه يعيد إنتاج آلياتٍ تقليدية، تقوم على التعيين غير المباشر، وتهمّش المشاركة الشعبية الحقيقية.
أما النتائج، فقد جاءت، في نظر كثيرٍ من أبناء الرقة، دون مستوى التوقعات. ليس فقط بسبب الأسماء التي تم اختيارها، بل بسبب الطريقة التي جرت بها العملية برمتها. إذ يشعر عددٌ كبيرٌ من المواطنين أن المجلس الناتج لا يعكس صوتهم، ولا يحمل قضاياهم، ولا يمثل معاناتهم اليومية التي ما تزال مستمرةً في ظل ظروفٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ صعبة.
إن المشكلة، كما يراها كثيرون، ليست في الأشخاص بقدر ما هي في المنظومة التي أوصلتهم. منظومةٌ تفتقر إلى الشفافية الكافية، وإلى آليات تمثيلٍ عادلة، وإلى إشراكٍ حقيقيٍ للمجتمع في صناعة القرار. وهذا ما يفسر حالة العزوف أو اللامبالاة التي رافقت الانتخابات، والتي تُعد بحد ذاتها مؤشراً على فجوةٍ متزايدةٍ بين المواطن والعملية السياسية.
يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن بناء تمثيلٍ حقيقيٍ في مدينةٍ مثل الرقة، وفي بلدٍ يسعى للخروج من آثار الحرب؟ الجواب، على الأرجح، يبدأ بإعادة النظر في القوانين الناظمة للعملية الانتخابية، وبفتح المجال أمام مشاركةٍ أوسع وأكثر تنوعاً، وبضمان أن تكون إرادة الناس هي الأساس، لا مجرد عنصرٍ ثانوي.
فالدولة التي تُبنى على أسسٍ سليمة، لا يمكن أن تقوم دون تمثيلٍ حقيقيٍ يعكس صوت شعبها. وأي عمليةٍ سياسيةٍ لا يشعر المواطن بأنه جزءٌ منها، ستبقى ناقصة، مهما حملت من عناوين أو شعارات.
وظل السؤال قائماً: هل تعكس انتخابات الرقة خللاً بنيوياً يفتقر إلى الشرعية التي كان أبناء المدينة يأملون أن تتجسد في واقعٍ جديدٍ بعد سنواتٍ طويلةٍ من القهر والحرمان والفقر والتشرد؟ أم أن المواطن ما يزال يعيش المرحلة ذاتها؟


