تقديم: ثلاثة نعي وبيان واحد
قبل أن نبدأ التحليل، نقف أمام وثائق ثلاث لا ينبغي قراءتها بوصفها تعازي دبلوماسيةً مراسمية، بل بوصفها خرائط تكشف بنية اللحظة وما يجري في الغرف المغلقة.
النعي الروسي جاء على النحو التالي:
"تلقّى الكرملين ببالغ الأسى نبأ الوفاة المأساوية للسيد علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. إننا في روسيا الاتحادية ننظر إلى السيد لاريجاني كبانٍ لجسور العلاقات الاستراتيجية بين موسكو وطهران، ورجل دولة اتسمت رؤيته بالاتزان والقدرة على صياغة التوازنات الأمنية في أصعب الظروف الإقليمية. لقد كان له دورٌ محوري في تنسيق الجهود المشتركة لمكافحة الإرهاب وضمان استقرار الجبهات الحيوية في الشرق الأوسط. إن غيابه في هذه اللحظة الحساسة يمثل خسارةً لصوت العقل الذي سعى دائماً للحفاظ على سيادة الدولة الإيرانية وتماسك مؤسساتها الوطنية. تعبّر روسيا عن خالص تعازيها للقيادة الإيرانية وتؤكد على ضرورة الحفاظ على استقرار مؤسسات الدولة ومنع انزلاق المنطقة نحو فوضى غير محكومة."
الموقف السعودي جاء موجزاً ومحسوباً بدقة:
"تتابع المملكة العربية السعودية ببالغ القلق التطورات المتسارعة في المنطقة، وتدعو كافة الأطراف إلى ضبط النفس لتجنيب شعوب المنطقة ويلات الحروب الشاملة."
وأما الموقف الصيني فلم يكن نعياً بالمعنى الإجرائي، بل كان في تقديم لاريجاني ذاته عبر القنوات الدبلوماسية بوصفه الرجل الذي يمكن التعامل معه، الجسرَ الذي كانت بكين تُمرّر عبره رسائلها إلى طهران في مراحل التفاوض الأصعب.
هذه الوثائق الثلاث هي مفاتيح التحليل. كل كلمة فيها مقصودة، وكل صمت فيها مدروس. وعليها نبني ما يلي.
أولاً: لاريجاني — الجسر الذي لا يُعوَّض
حين يُغلق اغتيالٌ نافذةَ الفرصة ويُعجّل بنهاية زمنٍ بأكمله، لا تصبح المسألةُ سؤالَ من ضَرَب ومن سقط، بل سؤالَ من يملك المفتاح الذي يُفتح به ما أُوصد.
لاريجاني لم يكن مجرد مسؤولٍ أمني في طهران. كان شيئاً نادراً في بنية الجمهورية الإسلامية: رجلاً يملك مصداقيةً متزامنةً عند الحرس الثوري والمؤسسة الدينية والتيار البراغماتي في آنٍ واحد. هذا التوافر الثلاثي لم يكن صدفةً شخصية، بل كان ناتجاً عن مسار وظيفي امتد خمسة عقود تنقّل خلالها بين الحرس الثوري والإعلام الرسمي والبرلمان والأمن القومي دون أن يفقد ثقة أيٍّ من هذه الدوائر بالأخرى.
المشكلة أن هذا النوع من الشخصيات لا يُصنَع بقرار، بل يتشكّل عبر الزمن وتراكم الثقة وإثبات القدرة في أحلك اللحظات. وحين يُزال لا يخلفه اسم آخر في المنصب ذاته، بل يخلفه فراغٌ في الوظيفة التي كان يؤديها: وظيفة البنّاء الداخلي للإجماع حول أي تسوية محتملة.
النعي الروسي فهم هذا جيداً حين تحدّث عن "صوت العقل" وعن "تماسك مؤسسات الدولة الوطنية". هذه ليست مجاملة، هي رسالة مشفّرة إلى طهران مفادها: الرجل الذي كان يمكننا التفاوض معه لم يعد موجوداً، وعليكم الآن أن تقرروا من يرثه.
ثانياً: نافذة الفرصة — من يفتحها ومن يُغلقها
ثمة سؤال جوهري يغيب عن أغلب القراءات: من الذي يملك قرار فتح نافذة الفرصة ومن يملك قرار إغلاقها؟
الجواب الدقيق: الرياض فتحت النافذة، وطهران وحدها تملك قرار إغلاقها.
هذا التمييز ليس لغوياً. هو توصيف دقيق لبنية القوة في هذه اللحظة. المملكة العربية السعودية أعلنت بوضوح وثبات موقفاً لا تراجع فيه: احترام إرادة الشعوب وسيادتها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ودعم أمن الدول واستقرار مؤسساتها. وهذا الموقف ثابت لا يتبدّل بتصعيد ولا يتزعزع بضغط.
لكن الأهم من ذلك: المملكة أعلنت بصراحة أنها لا تتعامل إلا مع مؤسسات الدولة، لا مع الميليشيات، ولا مع الأذرع، ولا مع الكيانات العابرة للحدود. هذا الإعلان وحده يُحدد شروط الحوار قبل أن يبدأ: إما أن تعود إيران إلى منطق الدولة الوطنية وتُجلس مؤسساتها على الطاولة، وإما أن تبقى خارج أي تسوية ممكنة.
أما نافذة الفرصة ذاتها فهي ليست فضاءً مفتوحاً يمكن الدخول إليه في أي وقت، بل هي نافذةٌ ذات سقف متحرك يرتفع بانخفاض التصعيد ويهبط بارتفاعه. المعادلة الدقيقة: كلما ارتفع مؤشر التصعيد ضاقت النافذة وقصُر الزمن المتاح لاستخدامها. وهذه المعادلة تعمل في اتجاهين متزامنين: تجاه إيران التي تضيق أمامها خيارات الخروج الكريم، وتجاه القوى الكبرى التي يتآكل هامش صبرها كلما طال الصراع وتصاعدت تكاليفه.
التقدير الحذر يضع هذه النافذة في مدى 4 إلى 6 أسابيع: 4 في حال توافرت إرادة سياسية مرنة، و6 في أقصى حالات الشروط الأصعب التي تستلزم تنسيقاً أممياً. بعد هذا المدى تنتقل الأزمة من مرحلة "إدارة التصعيد" إلى مرحلة "التعامل مع النتائج"، وهذا تحوّل نوعي لا تكميّ.
ثالثاً: تقدير شخصي — إيران والدرس الذي لم يُتعلَّم
هنا أُدلي بتقديري الشخصي الذي يقوم على استقراء التاريخ الإيراني في لحظات المفصل.
تقديري بالتشاؤم: إيران ستُكرّر الخطأ ذاته الذي كرّرته في كل مفترق طريق مشابه، ستُضيّع الربع الأول من نافذة الفرصة في المناورة الداخلية وصراع الأجنحة، وبحلول الوقت الذي يتوافق فيه من تبقّى من أصحاب القرار على موقف موحّد، تكون النافذة قد ضاقت إلى حدّها الأدنى.
الدليل على هذا التقدير ليس افتراضاً، بل قراءة في التاريخ الإيراني القريب والمتوسط والبعيد. إيران في عام 1988 أخّرت قبول وقف إطلاق النار مع العراق حتى دفعت ثمناً باهظاً كان يمكن تجنّبه بسنوات. وفي المفاوضات النووية كررت النمط ذاته: تُضيّع الفرص الناعمة ثم تنتهي إلى تسويات أقسى مما كان مطروحاً عليها أصلاً. التاريخ الإيراني في التعامل مع لحظات الحسم يُظهر نمطاً ثابتاً: المبالغة في تقدير قوة الاستنزاف وتقليل الاعتبار للتحوّلات الجيوسياسية خارج الحدود.
إذا صحّ هذا التقدير، وهو ما أميل إليه، فإن المملكة ستجد نفسها مضطرةً خلال الربع الأول من النافذة إلى التحرك نحو مسار القرار الأممي، لا لأنها تريد ذلك ابتداءً، بل لأن التصعيد الإيراني سيُعجّل بإغلاق الخيارات الأخرى. وعندها سيكون الثمن الذي يدفعه الشعب الإيراني، وشعوب المنطقة، أكبر بكثير مما كان يمكن تجنّبه.
إيران اليوم أمام درسٍ لا يُقرأ في كتب الأيديولوجيا، بل في كتاب التاريخ الذي لا يُحابي أحداً. فلتُراجع تجارب الدول التي راهنت على الحرب حين كان باب السلام مفتوحاً، ولتنظر كيف انتهت تلك المراهنات.
رابعاً: الخيار الإيراني — ثنائية لا مهرب منها
تقف إيران اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:
الأول: العودة إلى الأعراف الدولية والالتزام بميثاق الأمم المتحدة، بناء دولة وطنية مؤسسية تحكمها حدودها لا أيديولوجيتها، تُنهي عقيدة تصدير الثورة وتفكيك دول الجوار وتمويل الميليشيات عبر الحدود، وتعود إلى طاولة السلام بسلامٍ حقيقي يحفظ لها كرامة الدولة وحقها في المستقبل.
الثاني: الاستمرار في العقيدة الأيديولوجية، تصدير الإرهاب وتأجيج الصراعات وتهديد وحدة دول المنطقة واستقرارها. وهذا الخيار لم يعد مقبولاً في المنظومة الدولية الراهنة. ليس لأن العالم أصبح أكثر أخلاقيةً، بل لأن موازين القوى تغيّرت تغيّراً جوهرياً لا رجعة فيه.
انتهى عصر الميليشيات، ليس بالضرورة لأنها هُزمت عسكرياً، بل لأن النظام الإقليمي والدولي أُعيد رسمه بطريقة تُجفّف بيئتها الحاضنة وتُجرّدها من شرعية الوجود. عصر الدول الوطنية عاد، وهذه المرة بأدوات أكثر صرامةً وأقل صبراً على الاستثناءات.
الموقف السعودي الذي يدعو إلى "ضبط النفس" ليس ترديداً دبلوماسياً تقليدياً، هو تذكير صريح بأن الرياض تُمسك بزمام الشرعية الإقليمية لمسار التسوية، وأنها تفتح الباب للخيار الأول قبل أن يُوصد.
خامساً: الموقف السعودي — عقيدة الدم المُصان
ثمة خطأٌ شائع في قراءة الحياد السعودي، يخلطه بالضعف أو الانتهازية. والحقيقة أن هذا الحياد ليس موقفاً تكتيكياً عابراً، بل عقيدة وطنية راسخة تنبثق من ثوابت لا تُساوَم.
المملكة العربية السعودية لا تقف على هامش هذه الأزمة لأنها عاجزة عسكرياً أو اقتصادياً. من يقرأ تاريخها الماضي القريب والمتوسط والحاضر يجد أنها حين أرادت التدخل تدخّلت، وحين أرادت الردع أردعت. لكن المملكة تنطلق في كل ذلك من عقيدة وطنية ثابتة تقول: دم الإنسان وكرامته لا ثمن لهما ولا مقايضة عليهما.
هذا ليس شعاراً بلاغياً. هو مبدأ تشغيلي يعني أن المملكة لن تُطلق رصاصةً واحدةً ولن تُشارك في عمليةٍ عسكريةٍ واحدةٍ قبل أن تستنفد كل مسالك الحق وتُرسي كل أسس الشرعية. قبل أي ردعٍ عسكري يؤدي إلى إزهاق الأرواح، يجب أن يكون الحق قد أُحقِق أولاً، وأن يكون التنفيذ مشروعاً في الدين والقانون الدولي والعرف الإقليمي والضمير الإنساني.
وحين تنظر إلى مواقف المملكة في الملفات الدولية الكبرى، فلسطين واليمن والسودان وليبيا وأوكرانيا، تجد أنها تتطابق مع نصوص ميثاق الأمم المتحدة وأعراف القانون الدولي حرفاً بحرف. هذا ليس مصادفةً، بل هو منهج متعمد: تبني الشرعية قبل الشرعنة، وتُؤسّس الحق قبل أن تُطالب بتنفيذه.
لذا فإن القوة السعودية الحقيقية ليست في عدد الصواريخ ولا في أرقام الناتج المحلي، بل في امتلاك شيءٍ أكثر ندرةً: الشرعية الأخلاقية التي تجعل كل خطوة تخطوها مقبولةً عند الله قبل أن تكون مقبولةً عند العالم.
سادساً: فخّ الحرس — استفزاز محسوب لكسر الإرادة
كل تصعيدٍ إيراني باتجاه السعودية هو في حقيقته استفزازٌ مُحسوب. هدفه واحد: إجبار الرياض على أن تُسقط عن نفسها رداءَ "صانعة السلام" وترتديَ بدلاً منه رداءَ "طرف الحرب".
لأن الحرس يدرك، ربما قبل كثيرٍ من المحللين، أن الحياد السعودي هو حصاره الاستراتيجي الحقيقي، أكثر تأثيراً من القنابل الإسرائيلية وأشد وطأةً من العقوبات الأميركية. القنابل تهدم مبانيَ، لكن هذا الحياد يهدم شرعية الحرس في الاستمرار أمام بكين وموسكو وطهران الداخلية نفسها.
الحرس يريد بدقة تحويل الحرب من معادلة "حرس ضد مؤسسات" إلى معادلة "إيران ضد السعودية"، لأن الضربة السعودية ستوحّد الشارع الإيراني خلفه بدلاً من أن يتفكك من الداخل. وهذا التحويل يخدمه وحده ولا يخدم أحداً سواه.
وثمة منطق أعمق: الحرس يرى في أي تسويةٍ سعودية المسمارَ الأخير في نعشه. لأن السلام الحقيقي، إذا هندسته الرياض، سيكون بالضرورة سلام الدولة على حساب الميليشيا، وسلام المؤسسة على حساب الأيديولوجيا. وهذا ما يُسمّيه الحرس "موتاً بطيئاً" ويُفضّل عليه الحرب الصريحة. لذا فإن استماتته في جرّ الرياض إلى المواجهة هي دفاعٌ عن الذات، لأن "المخرج" الذي تحتفظ به المملكة لإيران الدولة لا يتسع للحرس الثوري.
سابعاً: القرار الأممي — من الإقناع إلى الإلزام
إذا أُغلقت النافذة الناعمة، سواء بقرارٍ إيرانيٍ متعجّل أو بتصعيدٍ تفرضه الميدان، فإن الدبلوماسية السعودية لا تنتهي، بل تتحوّل أداةً: من الإقناع إلى الإلزام. وهنا يبرز القرار الأممي كالآلية الوحيدة التي يمكن من خلالها تحويل "الحياد القوي" إلى "فاعلية قوية" دون إطلاق رصاصةٍ واحدة.
القرار الأممي ليس وثيقة سلام، هو أداة ضغطٍ قانونيٍ تُحوّل الصراع من ميدانٍ عسكريٍ إلى ملف شرعيةٍ دولية. وتستطيع الرياض قيادة هذا المسار لأنها تمتلك ما لا تمتلكه أي دولةٍ إقليميةٍ أخرى: علاقات متوازنة ومقبولة في الوقت ذاته عند واشنطن وبكين وموسكو، وهذا المثلث هو الذي يصنع أو يُعطّل أي قرارٍ دوليٍ فاعل.
نجاح هذا المسار مشروطٌ بثلاثة عناصر: صمت روسيا بدلاً من فيتوها، وتأطير الصين للأمر كـ "إنقاذ الدولة الإيرانية" لا هزيمة حليف، ووجود من تبقّى في طهران من مؤسسيين قادرين على تنفيذ القرار وتحمّل مسؤوليته. لكن الرهان السعودي الحقيقي ليس في نص القرار ذاته، بل في ما يفعله بالشرعية الداخلية للحرس داخل إيران نفسها. حين يجد الحرس نفسه في مواجهة قرارٍ أمميٍ تدعمه الثلاثة الكبار معاً، يصبح الرهان على مواصلة الحرب تهمةَ "عرقلة السلام"، وهذه التهمة تُضعف شرعيته الداخلية أكثر مما تُقوّيها.
خلاصة: درس التاريخ ومن يقرأه
ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمةٍ إقليميةٍ بين دولتين، بل لحظةٌ مفصليةٌ تُعاد فيها كتابة قواعد النظام الإقليمي بأكمله.
الرسائل الثلاث التي فتحنا بها هذا المقال، الروسية والصينية والسعودية، ليست نعياً لرجل. هي نعيٌ لمرحلةٍ وإيذانٌ ببدايةٍ أخرى. روسيا تقول: فقدنا الجسر، فهل يبني أحدٌ جسراً آخر؟ والصين تقول: كان رجلَنا في طهران، فمن يكون التالي؟ والسعودية تقول: الباب لا يزال مفتوحاً، لكن الساعة تدور.
إيران اليوم أمام درسٍ لا يُقرأ في كتب الأيديولوجيا. فلتنظر في تاريخها هي قبل كل شيء: كم مرة راهنت على الزمن وخسرت أكثر مما كان معروضاً عليها؟ وكم مرة أضاعت لحظة الحسم وانتهت إلى تسويةٍ أقسى؟ والأهم: هل تعلم أن المملكة التي تقف اليوم على تلك الأبواب لا تملك رفاهية القبول بمساومةٍ تُكلّف الأبرياء دماءهم بغير حق؟
المملكة العربية السعودية لن تذهب إلى حربٍ مهما زاد التصعيد، لا لأنها عاجزة، بل لأنها تعلم أن الدخول في الحرب يُحوّلها من صانعة سلام إلى طرف نزاع، ومن حاملة مفتاح الخروج إلى سجينة الحرب مع بقية الأطراف. وهذا تحديداً ما يُصيب قادة الحرس بالجنون، لأنهم يعلمون أن "المخرج" السعودي لا يتسع لهم.
النافذة لم تُغلق بعد. لكنها تضيق. وزمن الحسم لا ينتظر من يُحسن قراءة الساعة بعد أن تتوقف.
الدولة التي تملك مفتاح السلام أقوى من الدولة التي تملك مفتاح الحرب، وهذا ما يُقلق قادة الحرس الثوري أكثر مما تُقلقهم كل الضربات الجوية مجتمعةً.


