يحتفل العالم في هذه الأيام بعيد الأم؛ ذلك العيد الذي لا يمكن، بحالٍ من الأحوال، تجاوزه، لأنه يحمل في طيّاته كثيراً من الأشواق، وكثيراً من الاعتراف الصامت بجميل الأمهات اللواتي عانين الأهوال، وواجهن الحاجة، وتحملن الصدمات بصبرٍ لا ينكسر، وبذلن تجاه أسرهن وأبنائهن ما تعجز الكلمات عن وصفه أو الإحاطة به.
الأم… تلك الإنسانة العظيمة بعطائها، التي لا يمكن أن نجزل لها العطاء مهما قدّمنا، فهي وارفة الظلال، ممتدة الدفء، غزيرة الحنان. يظل عطاؤها أكبر من كل ما يُقدَّم لها، وأعمق من كل ما يُقال فيها، ومهما حاولنا ردّ الجميل، نبقى عاجزين عن الوفاء ولو بجزءٍ يسيرٍ من عطائها الذي لا ينضب.
لكن، وبينما نحتفي بها يوماً في العام، يفرض علينا الواقع سؤالاً مؤلماً: هل تحوّلت الأم إلى خادمة؟
مشاهد كثيرة صرنا نراها في الأماكن العامة، تُثير في النفس أسىً عميقاً، وتفتح في القلب جرحاً لا يندمل. في المطعم، في الحديقة، في عيادة الطبيب، في المركز الصحي، في الشارع، وحتى في زيارات البيوت بين الأقارب والأصدقاء… تتكرر صورٌ تُفجّر فينا الحسرة، وتستفزّ ضمائرنا التي ما زالت تؤمن بأن للأم مقاماً سامقاً لا يُمسّ، وللوالدين منزلةً لا تُداس. وأين نحن اليوم من قول الله تعالى: "ووصّينا الإنسان بوالديه إحساناً"؟
كأن هذه الوصية طُويت في زوايا النسيان، لا تُستحضر إلا في خطب المناسبات، بينما الواقع يموج بصورٍ من العقوق الصامت، وممارساتٍ تُفرغ البرّ من معناه.
كم هو مؤلم أن ترى أبناءً وبناتٍ يرفعون أصواتهم في وجه من حملوهم على أكتاف الرحمة! أن يطلبوا من والديهم ما لا يليق، ولا يرضي خالقاً، ولا ينسجم مع فطرةٍ سليمة. بل الأشد إيلاماً أن يغترب الحياء عن البيوت، وأن تُستباح كرامة الأم في مواقف تُدمي العين وتكسر القلب.
أيُعقل أن تطلب فتاةٌ من أمها، أمام الطبيب، أن تخلع حذاءها، وكأنها خادمة؟ أين ذهب الحياء من ابنةٍ نشأت في حضن تلك الأم التي سهرت الليالي، وضحّت براحتها لتراها واقفةً على قدميها؟ كيف يتجرّد القلب من أبسط مشاعر الامتنان؟ والطبيب، كما غيره، يشهد المشهد بصمتٍ مثقلٍ بالوجع.
وصور أخرى لا تقل قسوة: أبناءٌ يجلسون في الحدائق على المقاعد، بينما يقف والدهم ووالدتهم بلا اكتراث. لا أحد يتحرّك ليُفسح لهما مكاناً، كأن تعب السنين لا يستحق لحظة راحة، وكأن البرّ أصبح قيمةً من زمنٍ مضى.
وفي المطاعم، يتقدّم الأبناء الصفوف، ويتركون آباءهم وأمهاتهم خلفهم، بلا التفاتة احترام. لقد اختلّت الموازين، حتى غدت الأم ـ التي كانت تاجاً على رؤوس أبنائها ـ خادمةً في نظر بعضهم، تخدم وتتحمّل بصمتٍ يشبه الألم النبيل.
إنها صور موجعة، تترك في النفس سؤالاً كبيراً: كيف نُسيت القيم التي تربّت عليها أجيالٌ كانت ترى في الأم بركة البيت، وفي رضاها مفتاح الجنة؟
لقد اختلّت المعايير حين غاب الضمير، وصار الأبوان عبئاً، بدلاً من أن يكونا سنداً وبركة. إن احترام الوالدين ليس مجاملةً اجتماعية، بل فريضة أخلاقية وإنسانية، لا تسقط مع الزمن ولا تتغيّر بتبدّل العادات.
فهل يُعقل أن تتحوّل الأم، رمز العطاء بلا مقابل، إلى خادمة في بيتٍ كان يجب أن يُبنى على المودة والرحمة؟
إنها ليست كلمات عتاب، بقدر ما هي صرخة وعي، تنادي كل قلبٍ لم تمت فيه المحبّة بعد:
أكرموا أمهاتكم، واحتفوا بهن في كل يوم، لا في يومٍ عابر. ارفعوا مكانتهن كما رفعنكم، وأحسنوا إليهن كما أحسنّ إليكم.
فالبرّ ليس مناسبة، بل أسلوب حياة. ومن نسي أمّه… نسي ذاته. ومن أهانها… فقد أهان معنى الإنسانية كلّه.


