في لحظةٍ تبدو للوهلة الأولى تكتيكيةً ومحدودةً، أطلقت إيران صاروخين باتجاه قاعدة دييغو غارسيا، المنشأة العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، على بعد يقارب 4000 كيلومتر من أراضيها. وبالرغم من أن الصاروخين لم يصيبا الهدف، إلا أن القراءة العسكرية الدقيقة لا تقف عند نتيجة الإصابة أو الإخفاق، بل تتجاوزها إلى ما هو أخطر: الرسالة العملياتية الكامنة خلف هذا الفعل؟
على مدى سنوات، حافظت طهران على خطابٍ تقني وسياسي يؤكد أن مدى صواريخها لا يتجاوز 2000 كيلومتر. هذا السقف لم يكن مجرد رقم، بل كان جزءاً من (عقيدة خداع) موجهة للمجتمع الدولي لتقليل مستوى التصعيد وإبقاء التهديد ضمن الإطار الإقليمي. غير أن استهداف نقطة تبعد 4000 كيلومتر، حتى وإن كان رمزياً أو اختبارياً، يُسقط هذا السقف بالكامل، ويفتح باباً واسعاً لإعادة تقييمٍ حقيقيةٍ للقدرات الإيرانية.
الحديث هنا لا يدور فقط حول المدى، بل عن نوعية الصواريخ. تشير التقديرات إلى استخدام صاروخٍ من فئة (خرمشهر-4)، وهو من الصواريخ التي يُعتقد أنها قادرة على حمل رؤوسٍ حربيةٍ متعددةٍ أو عنقودية، ما يضاعف من أثرها العملياتي ويزيد من تعقيد اعتراضها. هذا التحول من مجرد صاروخٍ تقليدي إلى منصةٍ متعددة الرؤوس يعكس انتقالاً في التفكير العسكري الإيراني من الردع الكلاسيكي إلى الردع المركب.
عند إسقاط هذا المدى الجديد على الخريطة، تتغير المعادلة جذرياً. دائرة نصف قطرها 4000 كيلومتر انطلاقاً من طهران لا تشمل فقط الشرق الأوسط، بل تمتد إلى عمق أوروبا، لتطال مدناً استراتيجيةً مثل باريس، برلين، وروما، بل وحتى لندن. هنا، يتحول السؤال من هل إيران تهدد جيرانها؟ إلى هل أصبحت إيران لاعباً صاروخياً عابراً للقارات الإقليمية؟
هذا التحول يفرض قراءةً مختلفةً للتهديد. لم يعد بالإمكان التعامل مع البرنامج الصاروخي الإيراني كقضيةٍ إقليميةٍ تخص الخليج أو الشرق الأوسط فقط، بل أصبح جزءاً من منظومة تهديدٍ أوسع تمس الأمن الأوروبي بشكلٍ مباشر، خاصةً في ظل التوترات الدولية المتصاعدة وتآكل منظومات الردع التقليدية.
لكن الأخطر من القدرات التقنية هو البعد الأيديولوجي الذي يديرها. فإيران ليست مجرد دولةٍ تطور صواريخ ضمن سياقٍ دفاعي بحت، بل هي نظام يحتوي على أجنحةٍ متعددة، أحدها يحمل توجهاً متطرفاً توسعياً، يقوم على تصدير النفوذ عبر أدواتٍ عسكريةٍ غير تقليدية، سواء من خلال الصواريخ أو الوكلاء أو الحروب غير المتكافئة.
هذا (الجناح المتطرف) لا يعمل بمنطق الدولة التقليدية، بل بمنطق الثورة المستمرة، حيث يُنظر إلى القوة العسكرية كأداةٍ لإعادة تشكيل التوازنات وليس فقط لحمايتها. ومن هنا، فإن امتلاكه لقدراتٍ صاروخيةٍ بعيدة المدى لا يعني مجرد تعزيز الردع، بل يفتح الباب أمام سيناريوهاتٍ تصعيديةٍ غير محسوبة، قد تمتد خارج الإطار الإقليمي.
في العلوم العسكرية، يُنظر إلى النية والقدرة كعنصرين حاسمين في تقييم التهديد. إيران اليوم تقترب من امتلاك الاثنين معاً في سياق هذا الجناح المتشدد: القدرة الصاروخية المتنامية، والنية السياسية المرتبطة بعقيدةٍ توسعية. وهذا الجمع هو ما يثير القلق الحقيقي، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل في أوروبا أيضاً.
من هذا المنطلق، يصبح الحديث عن (احتواء) هذا الجناح غير كافٍ. التجارب السابقة أثبتت أن سياسات الاحتواء، عندما لا تُرافق بإجراءاتٍ حازمة، تؤدي إلى مزيدٍ من التمدد وليس الانكماش. وبالتالي، فإن المقاربة الأكثر واقعية تتطلب تفكيك هذا الجناح أو القضاء عليه بشكلٍ جذري، سواء عبر ضغوطٍ سياسيةٍ مركزة، أو عزلةٍ اقتصاديةٍ موجهة، أو حتى إعادة صياغة قواعد الاشتباك الإقليمي والدولي معه.
لا يعني ذلك بالضرورة الانزلاق إلى مواجهةٍ شاملة، بل تبني استراتيجيةٍ متعددة الأبعاد تهدف إلى إعادة ضبط ميزان القوى داخل إيران نفسها، عبر تقوية التيارات الأقل تصعيداً، وتقليص هامش المناورة أمام التيار المتشدد. فالمعركة هنا ليست فقط مع دولة، بل مع عقليةٍ عسكريةٍ أيديولوجية ترى في التصعيد وسيلةً للبقاء.
في ضوء كل ما سبق، لم يعد السؤال افتراضياً: هل يمكن أن تستهدف إيران أوروبا مستقبلاً؟ بل أصبح سؤالاً استراتيجياً مشروعاً يستدعي إجاباتٍ واضحةً وإجراءاتٍ استباقية. فالعالم الذي كان يعتقد أن التهديد الإيراني محصور في نطاقٍ جغرافيٍ معين، يجد نفسه اليوم أمام واقعٍ جديد، حيث تمتد خطوط النار نظرياً إلى ما هو أبعد بكثير.
الخلاصة أن ما حدث في دييغو غارسيا لم يكن مجرد إطلاق صاروخين، بل كان إعلاناً غير مباشر عن دخول مرحلةٍ جديدةٍ في معادلات الردع، مرحلة تتطلب من المجتمع الدولي، وخاصة أوروبا، إعادة حساباته، ليس فقط تجاه إيران كدولة، بل تجاه ذلك الجناح الذي قد يحول هذه القدرات إلى أداة تهديدٍ عابرٍ للحدود.


